هذا العام، تفاجأ أعضاء هيئة التدريس في الجامعات السعودية بتأخير سفرهم عدة أسابيع بخلاف المعتاد حينما كان يُسمح لهم بالمغادرة فور انتهاء الاختبارات، وجاء التأخير بعد تمديد فترة البقاء في الجامعة لجميع أعضاء هيئة التدريس.
بعض أعضاء هيئة التدريس الذين استعدوا للسفر رأوا في هذا القرار نوعًا من التعسّف، وخاصة أن أعمالهم التدريسية قد أنجزت، في حين أن بعضهم وجد في هذا الوقت فرصة لاستكمال الأبحاث والتجارب أو الشروع بأعمال جديدة. وقد زرت كلية الطب مطلع هذا الأسبوع، ورأيت عددًا كبيرًا من أعضاء هيئة التدريس وطلاب الدراسات العليا وهم يعملون في مختبراتهم بنشاط وتفاعل وكأنهم وجدوا في هذا الوقت الإضافي فرصة تساعدهم على الإنجاز، وفي المقابل سمعت إحدى عضوات هيئة التدريس وهي تئن وتولول بسبب تأخير السفر. ويبدو أنه ليس لديها مشروع بحث تنشغل به، وفي بعض كليات العلوم الإنسانية هناك من يشاركها التبرّم والعتاب.
ويؤمل أن تولي الجامعة هذا الأمر اهتمامها بأن تفسح المجال لمن أراد السفر أن يغادر بعد أن ينجز أعماله، ومن يرغب في البقاء فيعوّض عن تأخره. أما إن كان الأمر خارج نطاق الجامعة، وهو ما فهمته، فيمكن تكليف أعضاء هيئة التدريس بأعمال محددة لكي يستفيدوا من وقتهم ويفيدوا غيرهم.
وإذا صرفنا النظر عن العدد القليل من أعضاء هيئة التدريس الذين يقومون فقط بوظيفة "التدريس" التلقيني وهمّهم هو أداء الحد الأدنى من العبء بأي شكل، فيمكن للجامعة أن تستفيد من الأساتذة المتميزين وهم الأكثرية خلال هذه الأسابيع، فقد يدفعون غيرهم للعمل. ولعله من المناسب إقامة ورش عمل ودورات ومحاضرات لأعضاء هيئة التدريس لصقل المواهب الفنية وتنمية المهارات العملية والتدرّب على بعض التطبيقات المهمة في التعليم الجامعي.
ومن الجوانب التي يمكن التركيز عليها وهي مفيدة لجميع أعضاء هيئة التدريس، دورات عن: أساليب التدريس الفعال، وكيفية إدارة قاعة الدرس، وأساليب التواصل الفعال مع المتعلمين، وطرق عرض المعلومة وإيصالها، وغير ذلك مما له صلة بالتدريس والتعامل مع الطلاب. والحقيقة أنه لا يمكن إغفال وجود عدد من أعضاء هيئة التدريس ليس لديهم إلمام شامل بالأساليب التربوية في التدريس وليسوا على اطلاع على الطرق الحديثة في التعلّم والتعليم بحكم أن تخصصاتهم بعيدة عن هذا الحقل ولم تتح لهم فرصة أثناء دراستهم لأخذ مواد في التربية. ولكن ضرورة العمل في التدريس تحتم عليهم التعرّف على تلك المناهج والطرائق المتجددة والمفيدة التي تخدم أي عضو هيئة تدريس وتساعده على إيصال مادته وإقامة علاقة ناجحة مع طلابه. ومن المؤكد أن الجامعة يسرّها أن يتميز أساتذتها في تدريسهم وفي تعاملهم مع الطلاب، وقد خصصت جامعة الملك سعود هذا العام جوائز للأساتذة المتميزين في التدريس لتحفيز الجميع على اتباع مناهج تربوية وتقنية حديثة تيسّر نقل المعرفة والتفاعل معها وتفيد المتعلمين وتعزز من تعلّمهم.
ومن الدورات المفيدة كذلك ما يتعلق بالحاسب الآلي واستخدام الإنترنت والاستفادة من تطبيقات البرامج والأنظمة الحديثة. وهناك عدد من أعضاء هيئة التدريس بعيدون عن هذه التقنية ويودّون لو تتاح لهم الفرصة للتعلم والاستفادة.
ولو تولّت كل كلية مهمّة إخراج برنامج متكامل لاستثمار الفترة التي تعقب الاختبارات في تنفيذ ورش عمل جماعية، ودورات، وحلقات نقاش، ومحاضرات تخصصية، فذلك يسهّل الاستفادة من مختلف التخصصات في الكلية واستثمار عطاء أعضاء هيئة التدريس فيها مع فتح المجال للتعاون بين الكليات. ويمكن التخطيط لهذا البرنامج مسبقًا باستقبال مقترحات أعضاء هيئة التدريس وترشيحاتهم وتحديد رغباتهم لكي يكونوا جزءًا من العملية، وقد تضع الكلية حوافز تشجيعية لحضور البرنامج والمشاركة فيه.
وبهذا لن يشعر عضو هيئة التدريس أن وقته مهدر وأنه محبوس بدون عمل، بل يجد أنه قدّم خدمة مهمّة للجامعة ولزملائه أعضاء هيئة التدريس إن كان مشاركًا في أحد البرامج، وأنه استفاد من عطاء زملائه إن كان حاضرًا لتلك البرامج.