علي الشدوي :عنوان الملتقى يعبر عمّا تتبناه الرواية من مقاومة الوقائع والأشياء للأفكار المطلقة
في احتفالية ثقافية جادة قدم نادي الباحة الأدبي للرواية المحلية إضاءة مهمة في مسيرة المنجز السردي المحلي، وهو يستضيف ملتقى الباحة الثقافي الثاني 1428ه "الرواية وتحولات الحياة في المملكة العربية السعودية". وان كان عنوان الملتقى يأخذ النص الروائي إلى تكريس الخطاب الاجتماعي في الرواية. إلا أن بعض الأوراق المشاركة التفتت إلى مسائلة النص. بعيدا عن غواية العنوان الذي يعمق العموميات المتداولة في النقد الروائي المحلي. ولأن تدوين تداعيات الملتقى أمر مهم ويمنح القائمين عليه فرصة المراجعة للايجابيات والسلبيات التي صاحبت هذه الاحتفالية الثقافية. نطرح آراء لبعض من المشاركين في ملتقى الباحة للرواية:
علي الشدوي
أنت تعرف أنه بهدوء ومن غير أي ضجة تنشأ الأنواع الأدبية. وكما قال أحد الباحثين فنشوء نوع أدبي هو ثورة لكن بلا بيانات رسمية ، ولا لحن عسكري ، ولا إنشاد ولا قلاقل. ثمة إجراءات طويلة ومعقدة تحدث على نحو هادئ ؛ تحدث لتغير فهم الناس لمجتمعاتهم وتقبلهم لأنفسهم ، بعدها تدخل كلمة جديدة ، أو تتخذ كلمة قديمة معنى جديدا مثلما حدث لكلمة (رواية) في الأدب السعودي الحديث. فمنذ (1930) نشهد تغيرا مطردا في الأدب السعودي ، تبوأت فيه كلمة (رواية) مكانة بارزة ، ومنذ عقد مضى أمكن لدارسي السرد في المملكة العربية السعودية أن يؤكدوا أننا الآن في (زمن الرواية).
بعد أن نشأت الرواية أدت وظيفة المخبر ؛ حينما استحضرت إلى الوعي الإنساني الأحوال الإنسانية التي اعتبرتها أشكالا أدبية أخرى غير مهمة. لقد قيل الكثير عن هذا النوع السردي ، قيل عبر نظرية الرواية أولا ، ثم نظرية السرد فيما بعد ، ولعل أهم ما قيل أن هدف وجود الرواية هو التعريف بأن تاريخ البشر مصنوع من طرف البشر ، إن لم يكن منهم كلهم ، فعلى الأقل من طرف بعض المجموعات البشرية. في هذا الإطار خُطط لملتقى نادي الباحة الأدبي ، واختير عنوانه لكي يعبر عما تتبناه الرواية من مقاومة الوقائع والأشياء للأفكار المطلقة والمثل ، فهي تاريخية أكثر من التاريخ ، وتعترض على الإدراك الأيديولوجي للتاريخ الذي يتطابق عادة مع أفكار مجموعات بشرية معينة ومع منطقها.
نجح الملتقى ، حيث شارك فيه أكثر من أربعين باحثا وروائيا ، شاركت فيه المرأة ، ولك أن تعرف ماذا يعني أن تحضر المرأة لتلقي ورقة فيما لو عدنا إلى الوراء قليلا ، كما أن الملتقى قدم باحثين شبابا كسامي جريدي وسماهر الضامن ، واجتذب أكاديميين لأول مرة كالدكتور إبراهيم دغيدي والدكتورة عائشة حكمي ، وقدم أفكارا مهمة ، كحضور القارئ في الرواية ، والرواية من حيث هي رد بالكتابة ، والتجريب ودواعيه ، والمرأة وكيف تتعامل مع المرأة في الرواية ، وميثاق قراءة الرواية واختلافها عن ميثاق قراءة السيرة ، وأفكارا أخرى سيكون نشرها داعما للخطاب النقدي في مشهدنا الثقافي. ما تميز به هذا الملتقى ، هو حميمية الناس ، وهدوؤهم ، هناك تعدد في وجهات النظر ، وقد برزت في الجلسات الجانبية ، لكن كل وجهات النظر تلك كانت في إطار احترام وجهات النظر المختلفة ، وهذا ما يحسب لمثقفي منطقة الباحة ، الذين كانوا ودودين وهادئين ، بل رائعين ونحن نلمس تسامحهم ، كما لو كانوا يقولون وبشكل غير مباشر ، إذا كنا جميعا نخطئ بحكم بشريتنا ، فما أمامنا إلا نتسامح مع بعضنا البعض. نجح ملتقى الباحة ، ونجحت معه جهود رئيس النادي ونائبه وأعضاء مجلس الإدارة ، والأهم من ذلك أن مثقفي الباحة وأهلها هم الذين ساهموا مساهمة فاعلة في إنجاحه بودهم وكرمهم وحميميتهم.
محمد العباس
الملتقى كفكرة مسألة على درجة من الأهمية إذ يكفي حضور مجموعة من المثقفات ومشاركتهن الفاعلة بأوراق نقدية، وأعتقد أن المنظمين قد بذلوا جهداً لافتاً لتنظيمه لولا إصرارهم على أسماء منتهية الصلاحية، أصابت الملتقى بشيء من التكرار والترهل، ولكن الارتباك الأسوأ نتج عن سلوكيات بعض المثقفين الذين اعتذروا في اللحظات الأخيرة أو قرروا عدم المشاركة بالنظر إلى كون الملتقى يأخذ مكانه في منطقة مصنّفة كهامش وليس كمركز من المراكز الرئيسة. أما الأوراق المقدمة فقد تفاوتت ما بين القوة والضعف، وما بين المنهجية والإنشائية، وإن كانت في مجملها نظرية ولا تحمل من الكفاءة سوى عناوينها المضخمة وكأنها تهاب التماس بالمنجز، أو ربما لأن بعضها قد تم تكييفه ليتناسب مع عنوان الملتقى الذي لم يقارب بما يكفي، لدرجة تبدو بعضها كمقالات موسعة مكتوبة بواسطة ذات لم تقرأ رواية واحدة، حتى المداخلات بدت مدرسية أحياناً، ولم تكن بالمستوى المطلوب فبعض المشاركين كان يداخل بشكل دائم وكأنه قد نذر نفسه للحضور الإعلامي، وهي آفات تصيب كل الملتقيات وتضعفها. ولكن الأهم بتصوري أن الملتقى آثار جملة من التساؤلات الحيوية والجديرة بالتأمل، ولفت الانتباه بقوة إلى الظاهرة السردية، وأغرى بعض قارئي الرواية عن بعد ببعض الاقتراب الفعلي والتحليلي للمنجز الروائي، فبعض الأكاديميين - كما لاحظت - أصيبوا بشيء من التشكك في تصوراتهم، وفيما توصلوا إليه من نتائج مستعجلة نتيجة قراءاتهم الأفقية للمنجز، كما لاحظت لدى البعض صدمة التعرف على الأجواء المنبرية، التي تتطلب شيئاً من الحوارية عوضاً عن مخاطبة القراء من وراء حجاب، وكذلك تم التقريب أو المفاعلة بمعنى أدق بين المطالعات الجمالية ومقابلها من القراءات المضمونية، بمعنى أن المنجز الروائي أو الظاهرة السردية قد باتت تحت طائلة النقد الجاد أي خارج مدار القراءات الانطباعية، ويمكن أن يكون الملتقى مجرد مقاربة أولية تهيىء لحفر أعمق، فوجود هذا العدد من المهتمين في منبر واحد يفجر طاقة الفعل الإبداعي، ويخلق حالة من التحدي والتنافس والجدية ربما في وقت لاحق، وأعتقد أن الملتقى بحاجة إلى قراءة شاملة ودقيقة سواء على مستوى المحاور المجادلة أو الأسماء المشاركة للخروج بخلاصة تكفل له ابتناء تقليد تراكمي يحايث الفعل الروائي لأنها - أي الرواية - تحتمل ما هو أكثر من ملتقى يتيم.
د. إيمان بنت محمد سعيد تونسي
استمرار عقد الملتقى للمرة الثانية يؤكد قناعة القائمين عليه بأهمية توجيه الأنظار نحو الباحة- هذه البقعة من المملكة العربية السعودية- وثراء تجربة أبنائها الذين احتضنتهم جبال وطبيعة تغدق عليهم بكرم كلما غالبتهم تكاليف الحياة. ولعل أجمل ما فيه هو تكريم أولئك الرجال الذين بذلوا أنفسهم بسخاء محققين اعتزازا بانتمائهم إلى أرض ذات تاريخ وارث ثقافي. إن الاختيار النوعي لمحاور الملتقى والتي تعكس الشأن المحلي في الرواية السعودية جعل من الأوراق دراسات محددة ومكثفة تنطلق بالمستمعين إلى فضاءات أبعد. ذلك التنوع في الموضوعات من حيث الهوية والذاكرة الجمعية والفردية وجدليات التوقع... والتلقي... والتأويل عند القارئ لم يغفل القوالب الفنية التي استلهمتها الروايات من الفنون الأخرى الشعبية منها والعامة. وكان تعاطي الأوراق المقدمة في هذا الملتقى مع تلك المنجزات التي أحرزتها الرواية المحلية تعاطيا جادا وعلميا حافلا بتطبيق النظريات اللغوية والأدبية على نصوص تباينت في صيغها ودلالاتها، وهذا في حد ذاته يتيح الفرصة للوصول إلى رؤية نقدية تخص هذه الحقبة الزمنية. إننا في هذه الملتقيات الثقافية بحاجة إلى الآخر لتعريفه بشواغلنا الفكرية والأدبية وتقييم النتاج المحلي للخروج به إلى حدود الإقليمية والعالمية، خاصة أن كثيرا من الروايات التي نوقشت في هذا الملتقى قد تم تناولها في أبحاث أكاديمية ودراسات أدبية واجتماعية في المنطقة العربية. أطالب هنا باستقطاب أولئك المشتغلين والمشتغلات على هذه الموضوعات للحضور والمشاركة حتى تتعدد زوايا الرؤية لقضايا وتحولات حياتية شغلت الكثيرين في الخارج وتحتاج إلى رصد وتوثيق من الداخل.
تحتاج المرأة في مثل هذه الملتقيات إلى مساحة أوسع بمعنى الكلمة؟!
د.عائشة الحكمي
إن الحضور الفاعل والتأثير الايجابي للمؤتمرات والملتقيات والندوات. في شتى مجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعية والفكرية والسياسية داخلية وخارجية أمر ملحوظ على الصعيد المحلي والعالمي. مما أدى إلى شيوع مثل هذا الحراك الثقافي. وهناك عوامل مؤثرة تقود إلى نجاح هذه الحركة من خلال ما لمسناه في ملتقى الباحة. مثل الإعداد والتخطيط الملائم والإنفاق بسخاء والتوقيت المناسب واختيار الفاعلين، وحيوية مضمون اللقاء والغايات المنشودة.
فإذا نظرنا إلى ملتقى الباحة من خلال تلك العوامل سنلاحظ سعيا دؤوبا لتحقيق مثل هذه العوامل على أرض الواقع واستغلالها بصورة مثلى لإنجاح المخطط. اذ حقق الملتقى الاتفاق والاختلاف في الرؤى حول الطرح المقدم، كما أن الملتقى قد وفق في طرح موضوع حيوي يتوافق مع التوجه العام للقارئ والمتابع للحركة الفكرية في بلادنا، وفي العالم ايضا، وهو موضوع (الرواية) الشغل الشاغل في الوقت الحاضر. أيضا أفاد الموضوع كثيرا من المضمون المطروح وهو التحولات العميقة التي عاشتها بلادنا ومازالت في شتى مجالات الحياة على أرض الواقع، وعلى مستوى الخطاب الثقافي. وبهذا يكون ملتقى الباحة قد شارك في إرساء وقفات عميقة على تلك التحولات، واحتفى بالمنجز الروائي المحلي، وبعث برسالة مفادها:أن التلقي والتفاعل مع كل منجز يسير جنبا إلى جنب.
وفي هذا التصريح الحي بالتفاعل مع ازدياد الإصدارات الروائية، يحقق للحركة الأدبية الربط اللازم بين المنجز الثقافي الأدبي في حركتنا الفكرية، ويؤكد الاطراد الملحوظ لذلك المنجز في السنوات الأخيرة والقادمة. وقد وضح الملتقى أمام المتابعين أساليب التلقي والرؤى ومدى انسجامها مع تطورات العصر. كما نلاحظ احتفاء المتلقي بالرواية السعودية النسوية بعد أن جاست بجذورها في كل مظاهر الانتقالات الحضارية مصحوبة بالموروث الفكري الراسخ في الذاكرة مع تتابع الأجيال وتأكيد مثوله مهما تباعدت الأزمان. كما أعطى الملتقى إشارة واضحة أن أساسية بناء الإنسان أولا في أية حضارة هي الرابحة. أما الأوراق المشاركة ومدى عمقها في التعاطي مع منجز الرواية المحلي. فنقول عرض الملتقى (22) ورقة عمل بعضها كان شديد القرب من مضمون الملتقى وبعضها شطح قليلا. لكن معظم الأوراق غاصت في عمق الرواية شكلا ومضمونا، مما أعطى فكرة واضحة عن متابعة دقيقة للمنجز الروائي. وكانت الروايات (النماذج) أغلبها نسائية، وبعضها تكرر في أكثر من ورقة عمل مثل (بنات الرياض، جاهلية). كما أظهرت الأوراق تقدم القلم النسائي الناقد وجدية الطرح. وأرى أن ايجابيات الملتقى حملت إشارات جمالية ومستقبلية شعر بها الجميع ظهر ذلك في صور الرضى والارتياح ومن أبرزها الالتقاء والتقارب بين المهتمين بموضوع الملتقى على مستوى الإبداع والنقد ووسائل الإعلام. وما تم من ارتباطات فكرية بين المشاركين. وكذلك الحوارات الجانبية والجماعية التي أثمرت تخطيطا لمشاريع مستقبلية. كذلك توزيع إصدارات جديدة لبعض المبدعين. وكنا نتمنى أن نلتقي بأصحاب الروايات المدرجة في أوراق العمل المقدمة. كنا نتمنى رؤية تفاعلهم مع المتلقي وجها لوجه وخاصة الروائيات السعوديات اللاتي يدور الجدل حول أسمائهن المستعارة وأعمارهن وتجاربهن.
سماهر الضامن
قبل سنوات قليلة كان نقادنا متبرمين بتأخر مستوى المنجز الإبداعي المحلي وقلة حضوره وفاعليته، وندرة نماذجه الجيدة، وعدم تمكن الكتاب والكاتبات من أدواتهم الإبداعية، ولاسيما في مجال السرد الروائي.. اليوم تجد المبدعين والمبدعات يشتكون ويتذمرون من كسل النقاد، وعدم قدرة النقد على مجاراة المنجز الإبداعي.. أكثر من ذلك، تجد أن بعض التجارب الإبداعية المتميزة فكريا وتقنيا قد عرت النقد المحلي واستطاعت أن تكشف عجز أدواته المتوافرة عن مواجهة تلك التجارب.. أزعم أن سيرورة العملية النقدية المحلية بدأت تتخلف بمراحل بعيدة عن سيرورة المنجز الإبداعي..
نحن بحاجة لمثل هذه الملتقيات التي من شأنها تعزيز العمل النقدي والإسهام في تحريك المشهد الثقافي المحلي من خلال مواكبة التجارب الإبداعية الحديثة.. وتقديم رؤى مختلفة حول الحراك الأدبي الثقافي الاجتماعي بشكل عام.. فالنقد ليست وظيفته مجرد النظر في الجوانب الشكلية للمنتج الإبداعي.. بل أيضا ربط المستجدات على هذا الصعيد بالشروط والتحولات في المرجع الخارجي الذي أفرزها.. هذا الملتقى، بزعمي، شكل إضافة نوعية على هذا المستوى من خلال اختيار العنوان العام والمحاور الفرعية.. ويشكر للقائمين على أدبي الباحة ما بذلوه من جهد كبير لإنجاح هذا الملتقى ولجعله بصمة مميزة تثري المشهد الثقافي.. الملتقى كان ينتظر منه الكثير.. وأظنه حقق الكثير.. بطبيعة الحال تفاوتت الأوراق المطروحة من ناحية عمق المعالجة ومن ناحية ملامسة المحور الرئيسي للملتقى.. لكن أغلبها قدم رؤى جديدة وأثار العديد من المداخلات والأسئلة.. السلبيات والنواقص لا يخلو منها عمل إنساني، وربما كان ضغط جدول العمل هو المشكل الأبرز الذي واجه المنظمين الذين كانوا بالتأكيد يسعون لإثراء الملتقى وتكثيف المادة المطروحة وتنوعها.. قد يصعب حصر إيجابيات هذا الملتقى، ولعل من أهمها تعزيز التواصل وتبادل الخبرات والآراء بين المثقفين والمشتغلين بالهم الثقافي بمختلف أطيافهم وتوجهاتهم واهتماماتهم.. وتقديم قراءات جديدة ومتعددة ومتنوعة للمنجز الإبداعي الروائي.. ولعل الإيجابيات لم تنحصر في الجوانب المعرفية والعمل النقدي المتخصص.. بل امتدت للجوانب الإنسانية والاجتماعية في التلاقي والتعارف ولملمة أشتات مثقفين ومثقفات.