د. حنان حسن عطاالله
دائماً الحزن يتسم بالعمق ويحفر في قلوبنا إثارة وبصماته التي قد تستمر معنا العمر كله أما الفرحة فهي شفافة عابرة. لا أقول إن ذكرياتنا الجميلة ننساها ولانستخدمها بين الحين والآخر للخروج من مآسي الحياة وقسوتها. ولكن يظل الحزن أعمق وأقوى على النفس والغريب أنه حتى عندما نفرح نبكي، ولكن لا نضحك عندما نحزن وهذا ربما يدل على أن الحزن يغطي مساحات كبيرة من مشاعرنا الإنسانية.
إن أكبر أنواع الحزن ليست مصائب وأقدار الحياة من موت وفقدان وخلافه، بل من وجهة نظري الخاصة. فإن أكثرها مرارة المصائب والألم، والحيل، والخداع التي يسببها الإنسان لأخيه الإنسان هي الأكبر والأعظم والأكثر عمقاً. قد نسامح ولكن هل فعلاً ننسى؟ هناك مقولة باللغة الانجليزية تقول "قد أسامح ولكن لا أنسى" وهذه المقولة فيها صدق كبير مع الذات وحقيقة دون مدارة أو خداع لو أننا فعلاً ننسى إساءة الآخرين لنا، فإننا لن نتعلم تحاشي والابتعاد عن مصدر الألم والضرر، وبالتالي لا تنطبق علينا أن "المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين" ان هذه المقولة تثبت لنا بما لا يدع الشك بأننا قد نسامح ولكن لا ننسى وهناك فرق بين العمليتين إحداهما نفسية وهي التسامح، والأخرى عقلية وهي النسيان وان كنت أربط بين العمليتين ولا أرى أن هناك فصلا قاطعا بينهما.
ومن ناحية أخرى لا أعتقد أننا ننسى إساءة الآخرين لنا حتى وإن شعرنا بأننا سامحناهم. فالمؤمن الصادق لا يتعرض لنفس الموقف مرتين وهذا يثبت لنا ان هناك عملية تعلم واستفادة من الخبرات الماضية. والتذكر هو العمود الفقري والمحور الأساسي لعملية التعلم. إذن كيف ننسى؟
أكيد اننا نجامل الآخر وقد نخاذع أنفسنا عندما نقول "سامحتك من كل قلبي" و"فعلاً نسيت ما حصل" والجملة هذه في حد ذاتها تثبت عدم النسيان وانها فقط مجاملة. أكاد أجزم بأننا في الغالب لا ننسى بل نتناسى وقد نجد مبررا لتصرفات الآخر الذي أساء إلينينا. خاصة إذا كانت هناك حتمية أو مصلحة تربطنا بذلك الشخص. صحيح أن الناس يختلفون فيما بينهم في درجة التسامح بناء على الفروق الفردية. وذلك يعتمد على كثير من الأمور، وعلى ظروفنا الأسرية وعملية التنشئة الاجتماعية، والقدوة في حياتنا. كذلك نحن نختلف في مراحل التسامح التي نمر بها. هناك بعض من الناس أكثر مغفرة وصفحا عن أخطاء الآخرين وتجاوزاتهم. وهناك آخرون أكثر دقة وأكثر حقداً وقد لا يغفرون بسهولة. بل اننا نختلف في تقبلنا وتسامحنا للأخطاء من حيث درجتها ونوعيتها. فقد تغفر زوجة لزوجها خيانته لها، بينما ترى أخرى ان الخياة هي نهاية الحياة الزوجية. وهكذا. ولكن يظل الوسط هو الحل الحاسم. كذلك نوع الاساءة فعلى سبيل المثال قد يسهل علينا تجاوز الاساءات التي لا تمس النظام القيمي والمثل العليا. فقد لا يدعوك أحدهم لحفلة وكنت تتوقع ان تكون أول المدعوين، أو قد لا يزورك وأنت مريض ويعتذر لك وبشدة وتسامحه، ولكن إذا كان في الاساءة نوع من الخداع والتضليل والكذب... الخ، هنا الاساءة درس للتعلم والحذر وعدم الدخول في خبرة أخرى مؤلمة مع الشخص نفسه فليس من المعقول ان يخدعك شريك في مشروع ما ويستولي على جزء كبير مما تملك في الشركة، ثم تقول انك سامحته وتدخل معه في شراكة أخرى. تلك سذاجة وعملية تضليل للذات ولا تعتبر من باب التسامح. وفي النهاية لتكرار الخطأ دور في التسامح. قد تغفر مرة أو مرتين ولكن قد يطفح بك الكيل ويتوقف جهازك النفسي والعقلي عن إعطاء مزيد من الفرص ولذلك انتبهوا "إذا كان صاحبك عسل لا تلحسه كله" كما نقول.
وفي النهاية وان كنت أدعو إلى التسامح والحب، ولكنني أدعوا أكثر إلى عدم الإساءة للآخرين.