تعطي الثقافة الشعبية المرأة صفات "رجولية" معينة تصبح من خلالها كأنها شريكة للرجل في تلك الصفات. والواقع أن تلك الصفات الرجولية لاتُعطى لأي امرأة بسهولة، بل إنها تعطى وفق شروط أو ظروف خاصة. وهي صفات تكاد ترتبط بموضوع انصراف الرغبة الجنسية عن تلك المرأة أو حصانة المرأة من أعين الرجال وشهواتهم، وقد لايكون لها علاقة بقيمة "الرجولة" الأخلاقية بشكل واضح.
وتبرز هذه الصفات من خلال الموروث الشعبي الذي نجده في الأمثال الشعبية أو التعبيرات السائدة بين الناس بأن "فلانة دخلت مداخيل الرجال" ، أو "فلانة رجلة" ، وغير ذلك من التعبيرات. ويلاحظ أن الثقافة تبعد عنصر الإغراء الجنسي عن المرأة من خلال جعلها شبيهة بالرجل، على اعتبار أن الرجل وفق الثقافة المحافظة لايمكن أن يكون محل إغراء جنسي ولا يمكن أن تقبل الثقافة بالعلاقات المثلية.
ويمكن الإشارة إلى ثلاث حالات للمرأة يسمح لها أن تدخل فيها عالم الرجال. وأهم ظرف تدخل فيه المرأة "مداخيل" الرجال هو كبر السن، فحينما تصبح عجوزًا فإنها تكتسب حق الدخول في عالم الرجال، ويحق لها في هذه الحال الجلوس في مجالس الرجال ومجادلتهم ورفع الصوت عليهم بما في ذلك رواية الشعر والنكت والحكم التي كانت روايتها مقصورة على الرجال، كما يسمح لها بالتخفف من أعباء الغطاء. وفي بعض الحالات يبلغ بهذه العجوز الأمر أن تتكلم بما لاتسمح الثقافة للمرأة الكلام فيه من أمور جنسية خاصة.
وترد شخصية العجوز في بعض الروايات والقصص العربية على أنها أنموذج للتمرد على الصمت، وكأنها من خلال عمرها أصبحت منافسة للرجل في مجادلتهم وفي حبك القصص المثيرة والحديث عنها أمام الرجال بطلاقة. فعلى سبيل المثال نجد شخصية "بنت مجذوب" في رواية الطيب صالح ذائعة الصيت "موسم الهجرة للشمال" مثالا للسيدة التي تتصرف كما يتصرف الرجال وربما بشكل مبالغ فيه. والأمر نفسه نجده في تصوير المستعرب "مارسيل كوربرتشوك" في كتابه "البدوي الأخير" حينما راح يتحدث عن لقائه مع شاعرة طاعنة في السن في إحدى مناطق شمال المملكة ونقل عنها حديثًا عن أزواجها السابقين ومقارنتها بينهم مقارنة لا تخلو من الحرج وخاصة فيما يتعلق بوصف تعاملهم الجنسي معها.
والحقيقة أن هذا السلوك لايصدق على أي امرأة تدخل مداخيل الرجال، بل يكاد يكون مقصورًا على بعض العجائز. ويمكن تفسير ذلك بأنه محاولة منهن للتنفيس عن الكبت الاجتماعي الممارس ضد المرأة فيما يتعلق بالكلام عن الأمور الخاصة. فالثقافة مثلا تسمح للرجل بالحديث عن العلاقات الجنسية والمثيرة ووصف ما يشاء بلغة صريحة في حين تحظر ذلك على المرأة وتجعله بمثابة الشيء المحال عليها أو المستبعد حصوله منها؛ وهذا ما جعلها في فترة متأخرة من عمرها تتمرد على الصمت المفروض عليها لسنوات طويلة وتتحدث بالمباح وغيره دون حرج أمام الرجال.
والحالة الثانية هي حينما تتزوج المرأة، فإن نفوس الرجال تنصرف عنها مادامت في عصمة رجل. وهذه الحالة تختلف عن الحالة السابقة لكونها مقيدة بوجود زوج حيّ. وفي هذه المرحلة يحق للمرأة ما لايحق لها قبل الزواج وبخاصة الحديث أمام أقاربها الرجال والدخول في موضوعات خاصة ربما لاتستطيع الدخول فيها من قبل. ولا تستنكر عليها الثقافة حديثها عن الموضوعات الجنسية بشرط ألا يكون من بين الحضور أحد إخوتها الذكور.
والحقيقة أن هذه الحالة قد طرأ عليها تغييرات في السنوات الأخيرة مما يجعلها تكاد تكون مرحلة غير دقيقة لتمثيل دخول المرأة مداخيل الرجال. وقد كُتب في هذه الزاوية موضوع عن فقدان الحصانة الاجتماعية للمرأة المتزوجة بسبب ما لوحظ من كثرة اهتمام الشباب والمعاكسين بالمتزوجة أكثر من غيرها في السنوات الأخيرة. فبدل أن تكون المتزوجة موضع حصانة من الأعين أو حتى من التفكير فيها لكونها في عصمة رجل آخر - كما كانت الحال مع جيلنا والأجيال التي سبقته - صارت مؤخرًا هذه المرأة عند الخارجين عن القيم العليا في المجتمع موضع إغراء لإقامة علاقة محرمة معها. ومن هنا فإنه يصعب القول - وفق هذه الظروف المستجدة في المجتمع - بأن المرأة المتزوجة محصنة من رغبات الرجال، ويشك في دخولها مداخيل الرجال في هذا الزمن.
وإذا كانت الحالتان السابقتان مرتبطتين بجانب العمر أو الحالة الاجتماعية، ويكاد يركز دور المرأة فيها مقتصرًا على الكلام أمام الرجال فإن الحالة الثالثة تكاد تكون مقتصرة على فئة محدودة من النساء لارتباطها بالمهنة. فنجد على سبيل المثال المرأة العاملة في الحقل الطبي وخاصة الطبيبة لديها حصانة من الرجال. تروي لي إحدى قريباتي وهي طبيبة بأنها حينما ترتدي الزي الطبي المتمثل في البالطو الأبيض فإنها تمشي براحة ولاتجد أعينًا تلاحقها أوكلمات تصلها من الرجال. بل إنها حينما تتحدث مع المرضى من الرجال تجدهم ضعفاء مستكينين وبإمكانهم تسليم حياتهم لها. ولكنها حالما تنزع البالطو وتضعه في حقيبتها وتلبس عباءتها ثم تمر مع المكان نفسه تجد أن كل شيء قد تغير، فالعيون تطاردها بل تكاد تأكلها وربما تسمع كلمات غزل من بعضهم وكأنها صارت فريسة مباحة لهم.
وهذا يعني أن البالطو يحمل حصانة للمرأة، وكأنها حينما تكون طبيبة فهذا يعني السمو بها عن المرأة العادية على اعتبار أنها في مرتبة أعلى من أن تكون موضع إغراء جنسي، ولكنها حينما ترتدي العباءة التي تُشعر الرجال بأنها مجرد امرأة تبرز غرائز الرجال الجنسية ضدها. وهذا يعني أن حصانتها ليست مرتبطة بذاتها وإنما هي كامنة في وظيفتها.
جدير بالتوضيح أن دخول المرأة مداخيل الرجال يعني بالدرجة الأولى الحصانة الاجتماعية التي تحتمي بها المرأة من الرجال أنفسهم دون أن يعني فقدان تلك المرأة للجانب الأنثوي فيها. ويضاف إلى ذلك السماح لها بالكلام مع الرجال، أو بعبارة أدق: تمتعها بحرية التعبير للكلام في أي موضوع تريد الكلام فيه دون قيود اجتماعية مرتبطة بكونها امرأة. والحقيقة أن كلام المرأة المقصود هو ما يتعلق بالجانب الجنسي، فالعجوز قد ترويه على أنه تجربة حصلت وانتهت في زمن مضى وليست مسؤولة عنها في هذا العمر؛ والطبيبة تتكلم عنه من منطلق علمي صرف ولهذا فليس في ذلك غرابة. وعليه فإن دخول المرأة عالم الرجال بتلك الأشكال يتضمن الإعلاء من قيمتها باعتبارها تعيش في وضع يؤهلها أن تملك سلطة معينة على المجتمع بما فيه الرجال.