ازدهرت مؤسساتنا الإعلامية في المملكة بشكل مضطرد وملاحظ وأصبحت تنافس المؤسسات العالمية، سواء الإعلامية المرئية أو المسموعة أو المقروءة وكذلك ازدهرت المطابع الحكومية والتجارية، لما أتيح لها من إمكانات مالية وتكنولوجية لاسيما المؤسسات الصحفية منها، وبالأخص صحفنا المحلية التي تستهلك أطناناً من الورق الأبيض المستورد من الخارج.
ورغم سعودة مؤسساتنا الصحفية بفضل الله ثم بفضل توجهات حكومتنا الرشيدة والقائمين على هذه المؤسسات العملاقة والتي أصبحت تدر مئات الملايين من الريالات وتُطبع مئات من طبعاتها المختلفة يومياً، وتمتلك أضخم المطابع الصحفية والتجارية بالمنطقة، ما زالت هذه المؤسسات تستورد ورق الجرائد من الخارج وبتكاليف باهظة لأنه هو مادتها الرئيسة، وبالرغم من وجود مصانع كثيرة للورق في المنطقة ولكنها تنتج أوراق الكارتون وبعض حاجيات التعليب، أما ما يخص أوراق الصحف فلازلنا عاجزين عن إنتاجه.
ولدى استغرابنا من عدم القدرة على إنتاج ورق الصحف أفادنا احد اصحاب المطابع الضخمة في دولة الإمارات العربية المتحدة، بأن هذا الورق الأبيض الخاص بالصحف يحتاج الى عدة عوامل هامة ومنها توفير الماء العذب ومادة الخام، والورق الزائد والأهم من ذلك هو الخلطة السرية لصناعة الورق الخاص بطباعة الصحف، ولما استغربت من ذلك افادنا الصديق (الناصح) قائلاً إن هذه (الخميرة) تمتلكها حفنة من الأشخاص وهم الذين يحتكرون صناعة الورق الخاص بالصحف في العالم، وهؤلاء يستأجرون غابات كاملة من الأشجار على ضفاف الأنهار ويصنعون هذا الورق الخاص بطباعة الصحف والذي نستهلكه بكثرة وبشكل يومي ولا غنى لنا عنه أبدا سواء في الصحف اليومية أو المجلات الأسبوعية وحتى الشهرية والفصلية وكذلك الكتب وأي شيء له علاقة بالطباعة الورقية.
ومن جهلي بهذا الموضوع قلت له متسائلاً: كيف يستخدمون الغابات وأين هي الدول ومنظمات حماية البيئة من أفعالهم هذه؟
هنا ضحك صديقي حتى كاد يستلقي على قفاه!...قال معك حق..حماة البيئة يحاربونهم ويحذرونهم عن هذا العمل ولكن هؤلاء الأشخاص(المحتكرين) للورق ويملكون (الخميرة) يهددون العالم برفع اسعار الورق إذا لم تتح لهم جميع الفرص لاستخدام الغابات والمياه لتطوير مشاريعهم وإنتاج كمية كبيرة من الورق تساوي ملايين الأطنان من هذا الورق البسيط، والمهم جدا لإنتاج صحفنا الخليجية بل والعربية والعالمية كلها.
هنا استدركت وعرفت معنى الخلطة السحرية و(الخميرة) التي تمتلك بالدول الأسكندنافية، وعرفت معنى ارتفاع اسعار الورق بشكل غير طبيعي عام 1995م حين وصل سعر طن الورق أكثر من 1500دولار .
ولو عرجنا قليلاً على جذور صناعة الورق في البلاد العربية فنجد أن أول من أدخل صناعة الورق إلى البلاد العربية هو عربي ويعتبر أول من أسس معملاً للورق في البلاد العربية وكان في الحجاز وهو يوسف بن عمرو المكي في أواخر القرن الأول للهجرة.
وبالنسبة لأدوات الكتابة كانت الامم السابقة تكتب على المواد التي تصل اليها أيديها من مواد بلادها، فكان أهل الهند يكتبون على خرق الحرير، وأهل ايران يكتبون على الجلود المدبوغة، والمصريون يكتبون على ورق البردي، والبابليون على الطوب والخزف.
أما العرب، فأقدم ما كتب فيه العرب الرق وهي الجلود، والسعف وهي جريدة النخل، واللخاف وهي حجارة بيضاء خفيفة والخزف أو العظام أو الخشب، وكتبوا أيضاً على الأقمشة، وقد قال صاحب الفهرست (والعرب تكتب في أكتاف الإبل واللخاف وهي الحجارة الرقاق البيض وفي العسب).
أما صناعة الورق فالصينيون هم أول من اخترعوا الورق وذلك سنة 105ميلادية أي منذ ألفي سنة والمادة التي استعملوها في صناعة الورق كانت ألياف الغاب وبعض أنواع من الحشائش والخرق البالية.. وقد وضعوا هذه المواد المختلفة في هاون ومزجوها بالماء حتى جعلوها كالعجينة. وبعد ذلك وضعوا هذه العجينة في قوالب لتحويلها الى ورق، وفي هذه القوالب توجد شبكة في القاع مصنوعة من عصى الغاب وخيوط حريرية يصبِّون العجينة في القالب ويهزونه حتى أن الألياف تلتصق ببعضها وتكون شبه حصيرة والماء يجري خلال هذه الشبكة ويتحرك فرخ الورق الجاف، ثم يجفف تحت أشعة الشمش الى أن يصير ورقاً، وأهل الصين مازالوا يعملون هذه الطريقة اليدوية لصناعة الورق.
وانتقلت صناعة الورق من الصين الى سمرقند فالبلاد العربية فالغرب، وقد قلنا ان العباسيين هم أول من استعملوا الورق في المكاتبات نقلاً عن المؤرخين، فالتبست هذه الفقرة على الناس وظنوا ان أول معمل أسس للورق في البلاد الاسلامية كان في عهد هارون الرشيد الخليفة العباسي. ولكن الحقيقة تخالف ذلك، فإن أول معمل أسس للورق في البلاد العربية كان في الحجاز أسسه يوسف بن عمرو المكي في أواخر القرن الأول للهجرة كما أسلفت.
وفي مقالة لأحد المؤرخين على الشبكة العنكبوتية قال اتفق الباحثون على أن هارون الرشيد هو أول من اتخذ الورق وصناعته حينما ضاقت الرقوق والجلود عن المكاتب. على أن هنالك خلافاً في الرأي فيما يتعلق بتاريخ انتقال صناعة الورق من الصين الى البلاد الاسلامية، وكيفية انتشارها فيها، وهل هارون الرشيد هو أول من أسس معامل صناعتها أم لا.
ونخلص إلى القول ان صناعة الورق التي نقلها يوسف بن عمرو منذ منتصف القرن الأول الى الحجاز ومن العرب انتقلت إلى جميع أنحاء العالم، إلا أن مؤسساتنا الصحفية وبالرغم مما لديها من إمكانيات مادية وتكنولوجية وخبرات بشرية ما زالت عاجزة عن توفير مادتها الأساسية والتي عن طريقها توصل معلوماتها إلى قرائها وهي الورق بحيث ينطبق عليها قول الشاعر:
(كالعيس في البيداء يقتلها الظما
والماء فوق ظهورها محمول)!!
@ المدير الإقليمي لمكتب دبي