بحث



الجمعه 8 جمادى الأولى 1428هـ - 25 مايو 2007م - العدد 14214

عودة الى قضايا اسلامية

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


الشيخ أبا حسين ل"الرياض":
هناك من يحاول تغيير معالم الدعوة أو ترتيبها على غير مراد الله تعالى

كتب - ملفي الحربي:
    أوضح الشيخ عبدالله بن سعد أبا حسين خطيب جامع الأميرة نورة بنت عبدالله بحي النخيل أن هناك من يحاول تغيير معالم الدعوة أو ترتيبها على غير مراد الله تعالى، وينسب هذا الفعل الشنيع للدعوة الإسلامية، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد لعن من غيّر منار الأرض "وهي تلك العلامات التي توضع في الطرق والمفازات للهداية، أو توضع في الأراضي ليتميز بها ملك فلان عن ملك فلان"، فما الظن بمن غيّر منار الإسلام ومعالمه البارزة التي تميزه عن غيره؟

إن منارات الإسلام لا تغيب بعد استبانتها، وأولويات الدعوة لا تبعثر بعد انتظامها إلا إذا عُدم إخلاص الداعية، أو قل علمه بالشريعة، ولهذا فإن أهم المهمات وأولى الواجبات على الداعية أن يتحلى ويتخلّق بأمرين:

أولهما: الإخلاص في هذه الدعوة، فيدعو إلى أصولها ومسلّماتها ويسعى لتحقيق أهدافها بعيداً عن حظ نفسه، وإن حصل لنفسه حظ فإنما يحصل بالتبع، قال تعالى: (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله) (يوسف: 108) لا إلى نفسي وحظوظها.

الثاني: العلم بهذه الدعوة وأصولها وأهدافها، والعلم بما يضادها في أصولها، أو يضادها في منهجها وطريقها، قال تعالى: (ولتستبين سبيل المجرمين) (الأنعام: 55)، والعلم أيضاً بالشريعة السمحة الشاملة الكاملة الصالحة لكل زمان ومكان فيعلم منها ما لا بُد منه لكل داعية، ويكون بهذا العلم (الأخير) على بصيرة تورث اليقين بشمول الشريعة، وصلاحيتها عند حصول المتغيرات، ويتيقن أن كل جديد مباح يمكن أن يصب وينساب وفق الأصول والمسلمات، قال تعالى: (ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون. إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئاً وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين. هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون) "الجاثية: 18--20".

وقال أبا حسين: وإذا تحلّى الداعية بهذين الأمرين (الإخلاص والعلم) فإنه عندما يصير في ظرف ابتعد الناس فيه عن معالم الدين وأصول الإسلام، أو تغيّرت حالهم عن السابق فإنه - في الحال - يُفتش في هذه الشريعة ليجد ما يتيح إيصال تلكم الأصول والمعالم مما يُلائم هذا الظرف أو هذا التغير، لا أن تقع دعوته ضريبة لجهله بالشريعة، أو أن يقع - هو - في الفخاخ التي ينصبها الشيطان في طريق الدعاة حتى جعل بعضهم باقين اسماً بلا معنى، لأن المهم والأول عندهم أن تبقى حظوظهم وقداستهم وجماهيريتهم ولو على حساب معالم الدعوة الصحيحة ومميزاتها وخصائصها التي فارقت بها غيرها من الدعوات الباطلة أو المنحرفة أو الممتهنة لأغراض دنيوية.

إن سنَّة الله تعالى فينا كأصحاب دعوة صحيحة أثرية أن لا نزال في بلاء، ففي وقت الشدائد نحن في بلاء وفي وقت الرخاء نحن - أيضاً - في بلاء، ومن أعظم البلاء الذي نستشعره - اليوم - ما يهدد أصول دعوتنا ومعالم ديننا باسم الدّعوة، والذي يوضح ذلك ما نعيشه من سباق شبهات وأفكار وقناعات مغايرة تتنافس للوصول إلينا وإلى شبابنا ومجتمعنا، وذلك في ميادين أكبرها وأوسعها الفضاء بقنواته وشبكة الاتصال العالمي.

وأضاف الشيخ أبا حسين: وهذا الظرف الذي نعيشه ليس جديداً على الدعوة الصحيحة، لأنها من حين ما بدأت وهي في مواجهات علمية وفكرية، ولهذا قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: (وجاهدهم به جهاداً كبيراً) يعني بالقرآن.

لقد تُرجمت - فيما مضى - كتب اليونان، وألفت بناءً على أسسها مؤلفات، ومع ذلك بقي دعاة الحق محافظين على هويّة الإسلام، لا يضرّهم من خذلهم ولا من خالفهم مصداقاً لوعد محمد صلى الله عليه وسلم "لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين".

أما ظرفنا فإنه وإن كان غير مسبوق من جهة كم الشبهات وسرعة وصولها، وسهولة الاتصال بالخارج حدوداً والخارج شريعة وعقيدة، إلا أن جنس ذلك موجود ومسبوق.

المهم من ذلك أن الداعية المخلص الصادق لا يتنازل عن مسلّماته وثوابته بسبب هذا الظرف، ولا يتصنع لأحد من أجل البقاء في إطار الرضى والقبول، بل يحافظ على هوية دعوته ومعالمها مهما تغيرت الظروف وحصلت الشدائد وكثرت الشُبه، ومهما تواردت الأفكار أو كشفت حُجُب وستور بيننا وبين معتنقيها.

ولأن قصص السابقين وسير الغابرين جند من جند الله تعالى فإنني سأذكّر بجوانب من سيرة داعيتي حق ورشد:

الأول: الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن الذي انتقل من بلده عندما ناهز الثامنة من عمره، وسكن القاهرة ذات المجتمع المختلف - إلى حد ما - عن مجتمع الدرعية آنذاك، فصاف وأشتى وأربع وأخرف إحدى وثلاثين سنة في تلكم البيئة، ورجع بلهجة مختلفة - إلى حد ما - إلا أن الدعوة التي يحملها ويدعو إليها وينافح عنها لم تتغير معالمها ولم تتبدل أولوياتها.

واستمر رحمه الله على ذلك رغم قساوة المتغيرات وحلاكة الظروف التي عاشها في "الرياض".

فإذا قيل الشيخ عبداللطيف - بعد ذلك - فهو يعني حراسة التوحيد، ذلكم النتاج الذي دأب عليه في صباحه ومسائه، ويعني الاتباع الحق، ويعني معالم الإسلام الصحيح وأولوياته.

الثاني: الشيخ عبدالرحمن بن سعدي الذي عاش عصر نهضة صناعية غير مسبوقة، وتطور مادي بهر كثيراً من المسلمين وفتن بعضهم حتى انصرف عن دينه.

فمع كل ذلك الجديد والانبهار إلا أن الدعوة في "القصيم" بقيت على يدي ابن سعدي محافظة على هويتها ومعالمها؛ لأنه لم ينزو ولم ينعزل عن هذا الظرف، كما أن مبادئه وثوابته لم تتزحزح لإرضاء الاتباع أو استقطاب الجمهور، وإنما بقي داعية لدعوة واضحة المعالم، بيِّنة الأصول.

كان يحضر المجالس ويخالط العامة والمثقفين وشرائح المجتمع، ولم يكن مع ذلك بمعزل عن ما بثته وسائل إعلام زمانه، بل يعرف ما يدور في الصحف والدوريات، فأدرك الشُّبه الجديدة والشكوك المختلفة، وأحاط بمداخل الشر في العقيدة والسلوك والأخلاق، اضافة إلى إلمامه ومعرفته بطبائع الناس وأخلاقهم، ومعرفته بالوسائل التي تنفع معهم على اختلاف طبائعهم واحوالهم.

ولم تكن دعوته بأصولها الثابتة ومعالمها الراسخة على وتيرة واحدة مع تغيّر الظروف والأحوال، بل كانت عند مخاطبة العامي لها عباراتها وأسلوبها الملائم، وإذا فوجئت بمخاطب تأتيه إمدادات ثقافية من هنا وهناك فإنها تركب مركب الإقناع بالحجة والجدال باللين. ولمّا انبهر الناس بالحضارة المادية الغربية، وفتن من فتن بها اتخذت أسلوباً حكيماً لهذا الظرف يختلف عن الأساليب التي اتخذتها قبل، حيث قام الداعية العالم المخلص بشرح محاسن الدين وكماله وجماله، وإثبات أنه فوق محاسن العقول البشرية. فنجح رحمه الله بالمحافظة على معالم الدعوة وهويتها، والمحافظة على الترتيب السلفي لأولوياتها وأثبتت مع ذلك صلاحيتها لكل زمان ومكان، وسبب ذلك - بتوفيق الله - إخلاصه وعلمه رحمه الله. واختتم الشيخ أبا حسين تصريحه:

هذه الهوية التي مثّلها ابن سعدي ودعا إليها هي ذات الهوية التي خلفها الشيخ عبداللطيف قبلُ، وهي التي خلفها (معاصر ابن سعدي) الشيخ محمد بن إبراهيم في "الرياض" على بعد مئات الأميال من "القصيم" وهي ذاتها التي خلفها محمد بن عبدالوهاب وعبدالرحمن بن حسن قبل أن تدخل مفردات تلكم الحضارة إلى "نجد" وقبل أن يحصل لها انفتاح نسبي، وهي الهوية ذاتها التي خلفها ابن تيمية وقد سبق بسبعة قرون واختلف في الظرف ونوع الحضارة التي عاصرها، ونسبة الانفتاح الذي كان يعيشه.

وعلى لرغم من زيادة نسبة الانفتاح على مجتمعنا، وتوالي المتغيرات على بلادنا، إلا أنه مازال يحمل هوية الإسلام الصحيح، ويوضح معالمه، وينفي عنه ما ينسبه الأفاكون والمصلحيّون رجالٌ صادقون ودعاة مخلصون، وفي طليعتهم علماؤنا الكبار الذين حفظت دولتنا مكانتهم وصانت حرمتهم وأعلت شأنهم.


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى قضايا اسلامية

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية