بحث



الجمعه 2 ذي الحجة 1427هـ - 22ديسمبر 2006م - العدد 14060

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


التسلح الخليجي في اتجاهاته الراهنة

عبدالجليل زيد المرهون
    يحدد حجم الإنفاق العسكري ما تخصصه الدول من ناتجها القومي الإجمالي لمجال الدفاع والأمن، سواء لاستيراد الأسلحة من الخارج، أو تصنيعها محلياً، وللتطوير والبحث العلمي من أجل الارتقاء بالتكنولوجيا العسكرية، كما أنه يحدد مدى إدراكها لوجود تهديد خارجي لأمنها القومي وما تتكبده من تكلفة مالية على نشاطها العسكري، وهذه التكلفة هي بمثابة مدخلات للقطاع العسكري.ولذا فإنها لا تفيد بمفردها في تقدير القوة الأمنية أو العسكرية، والتي هي مخرجات لذلك القطاع. فتلك القوة بشقيها، تتوقف على التوازن بين فئات الإنفاق المختلفة ضمن ميزانية الدفاع، التكلفة، مستوى التكنولوجيا والتدريب، وعلى العقيدة العسكرية، ولذلك فإنّ ميزانية الدفاع الاجمالية قد تؤدي إلى مستويات مختلفة من الأمن أو التهديد تبعاً لكيفية الإنفاق.

وعلى صعيد إقليم الخليج العربي، فان نفقات الدفاع تؤشر بصفة أساسية إلى مستويات تسلح مرتفعة.وهي تدخل ضمن سباق تسلح يشهده الإقليم منذ منتصف العقد السابع من القرن العشرين، ولا زال مستمرا. ويجد سباق التسلح هذا خلفيته الأكثر مرجعية في معضلة توازن القوى، المرتبطة هي الأخرى بمعضلة الردع.ولن يشهد هذا الإقليم خلاصا من سباق التسلح ما لم يسود اعتقاد بعدم جدوى تبني خيار توازن القوى كنظام للأمن، أو على الأقل يتم الدخول في إعادة إنتاج مفاهيمي واسع لمفهوم التوازن في النظام الإقليمي الخليجي.

وقد انقسم دارسو العلاقات الدولية حول مدى صلاحية توازن القوى، كترتيب أمني على نحو بلور ثلاثة اتجاهات أساسية: الاتجاه الأول، يؤمن بفاعليته في منع وقوع الحروب الدولية. فالحرب طبقاً لهذا المنطق، تقع عندما تختل علاقات القوة جذريا لصالح أحد الأطراف، مما يحفزه على تغيير الوضع القائم بالقوة. والاتجاه الثاني، يمثله فريدريك شومان، ويرى أنه بدلاً من أن يؤدي تطبيق نظام توازن القوى إلى استبعاد احتمال وقوع الحرب، فإنها تصبح أداته الأخيرة في الحفاظ على وضع التوازن داخل النظام الدولي.

وقد أسمى مورجنتاو هذا النوع من الحروب بالحروب الوقائية. أما الاتجاه الثالث، فيمثله أورجانسكي الذي يعتقد بأن فترات التوازن في العلاقات الدولية هي عينها فترات الحرب، في حين أن فترات التفوق الذي أمكن لبعض أطراف النظام الدولي تحقيقه على حساب غيرهم هي فترات السلم والاستقرار، فالتعادل يرفع من احتمال الحرب بزيادة الإغراء الذي يتعرض له كل طرف في هذا الوضع باحتمال الانتصار على الخصم، أما مع التفوق، فإنّ الأطراف الضعيفة لا تمتلك الشجاعة على شن الحرب، في حين لا تكون الأطراف القوية بحاجة إلى ذلك لقدرتها على حسم المواقف بالكيفية التي تعزز مصالحها وأهدافها.

وعلى صعيد النظام الإقليمي الخليجي، ثمة اختلال كبير في التوزيع النسبي للقوة بين دول الإقليم، وهو الأمر الذي يفضي بالضرورة إلى توازن غير حقيقي أو غير مستقر للقوى.

وهناك ثلاثة أبعاد لهذه المقولة: البعد الأول مادي، يرتبط بطبيعة المقومات المادية، الجغرافية والبشرية والمالية.والبعد الثاني معنوي، يتعلق بمستوى القدرات الحضارية، خاصة الخبرة القتالية، والتصنيع العسكري، والبحوث الأمنية والعلوم العسكرية عامة.والبعد الثالث سياسي، يتجلى في منظومة التحالفات الخارجية التي ترتكز عليها الدولة، أو مجموعة مؤتلفة من الدول، بحيث تسخر هذه التحالفات ( التي ليس بالضرورة أن تتضمن بعدا دفاعيا) في تعزيز ثقلها النسبي ضمن بيئتها الإقليمية.

وفي المجمل، لا بد من العمل على بلورة بناء مفاهيمي جديد لقضية التوازن الاستراتيجي في إقليم الخليج العربي، بناء لا يرتكز على ذات المفاهيم التي سقطت مع حرب الخليج الثانية، وباتت إعادة انتاجها مستحيلة بعد الحرب الأميركية على العراق، وغدت غير ذات جدوى في ضوء الدروس التي أفرزتها حرب لبنان الثانية في صيف العام

2006.وعند مناقشة قضية القدرات التسليحية لدول إقليم الخليج العربي، يمكن استخدام مؤشرين: الأول، خاص بحجم الإنفاق العسكري. والثاني، متعلق بنوع الأسلحة التي تمتلكها دول المنطقة؛ ففيما يتعلق بحجم الإنفاق، يلاحَظ أنّ إجمالي ما أنفقته دول مجلس التعاون الخليجي أثناء حرب الخليج الثانية، بلغ نحو 65ضعفاً لما تنفقه إيران، بينما تقلصت فجوة الإنفاق في العام 2002، حيث فاق الإنفاق الخليجي، الإنفاق الإيراني بمقدار36.9% . وعلى الرغم من هذا الانخفاض، إلا أنّ الإنفاق العسكري في المنطقة لا يزال مرتفعاً. وتجدر الإشارة إلى أنّ معظم إنفاق دول المنطقة، لا سيما دول مجلس التعاون، يتجه نحو استيراد الأسلحة التقليدية، فقد بلغت قيمة واردات دول المجلس 8060مليون دولار في مقابل 1440مليون دولار بالنسبة لإيران طوال الفترة من 1998-

2002.ويجدر كذلك رصد ملاحظتين أساسيتين: الأولى: خاصة بوضع العراق، حيث عانى منذ آب أغسطس من العام1990من حظر الأمم المتحدة الذي فُرض عليه نتيجة غزوه الكويت، وقد ترددت العديد من المزاعم التي ثبُت صحة بعضها حول خروق ارتكبتها حكومات، تورطت في عمليات تسليم أسلحة غير مشروعة إلى بغداد. فقد قدمت الحكومة اليوغسلافية أدلة على تزويدها العراق معدات عسكرية وخبرة تقنية خلال عهد الرئيس سلوبودان ميلوسوفيتش حتى تشرين الأول أكتوبر 2000، وتضمنت عمليات التسليم، قطع طائرات وخبرة تقنية لصيانة الطائرات، ووفقاً لواشنطن استمرت عمليات التسليم حتى عام 2002، كما بلغت قيمة تجارة الأسلحة غير المشروعة بين العراق وبيلاروسيا 114مليون دولار تمت من خلال مصرف Infobank

وتتعلق الثانية بإيران، حيث تسجل تفوقاً من الناحية الكيفية على باقي الدول الخليجية، خاصة مع تجريد العراق من قوته العسكرية منذ حرب الخليج، فهي تُعتبر الوحيدة بين هذه الدول التي تمتلك القدرة الفعلية أو الافتراضية على إنتاج السلاح النووي. كذلك، اتجهت إيران لتطوير قدراتها الصاروخية منذ مطلع التسعينيات، وتفيد التقارير الحديثة عن الانتشار الصاروخي في منطقة الخليج بوجود أربعة أنظمة صاروخية بعيدة المدى تطورها طهران، لعل أبرزها صاروخ شهاب 6وقد وصفته إسرائيل بأنه يعبر عن مشروع إيراني لتطوير صواريخ عابرة للقارات، أي أنه بمدى يصل إلى 10آلاف كلم، وقد قدرت لجنة رومسفيلد أن إيران قادرة على إنتاج هذا النوع من الصواريخ خلال خمس سنوات إذا ما قررت ذلك.

على مستوى الداخل الخليجي، يعد الإنفاق العسكري الإماراتي من أعلى المعدلات في المنطقة، حيث تجاوزت ال 9مليارات دولار سنويا بين 2003و2005، مقارنة بمتوسط إنفاق 3مليارات دولار سنويا في عقد التسعينيات. وبلغ حجم واردات الأسلحة في دولة الإمارات العربية المتحدة: 3.7مليارات بين 1993و1996، 4.2مليارات بين 1997و2000، و 6.8مليارات بين 2001و

2004.وبلغت قيمة التعاقدات الإماراتية لشراء أسلحة تقليدية من الولايات المتحدة خلال الفترة ( 2002- 2005) سبعة مليارات دولار، مقابل مليارا دولار للكويت، ومليار دولار لسلطنة عمان.

وكانت كل من دولة الإمارات العربية المتحدة وإيران أكثر دول الإقليم اعتمادا على التعاقدات الروسية خلال الفترة ( 1998- 2001)، إذ بلغت قيمة التعاقدات الإماراتية مع روسيا خلال تلك الفترة 800مليون دولار، مقابل 300مليون في حالة إيران. وكانت دولة الإمارات العربية المتحدة قد اشترت في العام 802005طائرة F - 16مجهزة بصواريخ جو - جو متوسطة المدى

، كما وافق الكونغرس في تموز يوليو الماضي على بيع 26طائرة عمودية من طراز بلاك هووك للإمارات.

على صعيد دولة الكويت، شهد عقد التسعينيات استيراد سلاح بقيمة 4.6مليارات دولار بين 1993- 1996، مقارنة ب 800مليون دولار فقط في الفترة بين عامي 1997و 2000.كما جاءت معظم الواردات العسكرية من الولايات المتحدة ودول غرب أوروبا. وكانت الولايات المتحدة قد أعلنت الكويت حليفا رئيسيا خارج حلف شمال الأطلسي (الناتو)، مما سهل عليها عملية شراء الأسلحة الأميركية.

وبدأت الولايات المتحدة في العام 2005بتزويد القوات الكويتية ب 16طائرة عمودية من طراز أباتشي بقيمة 940مليون دولار.

كما تنظر الكويت حاليا في شراء 10طائرات من طراز F/A-18.

من جهتها، عقدت سلطنة عمان في العام 2001صفقة مع الولايات المتحدة لشراء 12طائرة من طراز F-16 بقيمة تقدر ب 825مليون دولار.

كما قررت السلطنة أن تشتري نظام استطلاعي جوي أميركي لطائرات ال F-16 تقدر قيمته ب 46مليون دولار.كما أبدت رغبة في شراء 250صاروخا من طراز Javelin.وعلى الرغم من ارتفاع معدلات الإنفاق العسكري الإجمالي في عمان، فان وارداتها من السلاح قد شهدت هبوطا كبيرا منذ أوائل التسعينيات، حيث انخفضت قيمة الواردات من 1.2مليار دولار (إجمالي الواردات بين 1993و1996) إلى 200مليون في الفترة بين 1997و2000، إلى 300مليون بين 2001و 2004.وتعد بريطانيا أكبر مصدر لقطاع الأسلحة العماني.

فيما يتعلق بدولة قطر، فقد أنفقت نحو 2.91مليار دولار أميركي على قطاع الدفاع في العام 2005، مقارنة بمتوسط إنفاق سنوي قدره مليار دولار في أوائل التسعينيات. وقد استنفدت قطر 32.5% من اجمالي إنفاقها العام في الفترة بين 2000و 2004لصالح قواتها العسكرية، وهذه ثالث أكبر نسبة إنفاق دفاعي في الوطن العربي.بيد أن استيراد قطر للسلاح والمعدات العسكرية قد شهد انخفاضا ملحوظا في السنوات الماضية، ففي العام 1994استوردت الدوحة سلاحا بقيمة 1.3مليار دولار، و 625مليون عام 1997، ومليار واحد في 1999، بيد أن متوسط قيمة استيراد السلاح في الأعوام السابقة انخفضت لأقل من 50مليون دولار في السنة. وتأتي 80% من الموارد الآلية للقوات القطرية المسلحة من فرنسا، وإن شهدت السنوات الماضية ارتفاعا في التعاون القطري - الأميركي والقطري - البريطاني في مجال الدفاع.

وفي الوقت الحالي تحاول بريطانيا إتمام صفقة مع الحكومة القطرية لتزويدها بمقاتلات هوك. وكانت بريطانيا قد وردت إلى قطر حاملات أفراد مدرعة من طراز بيرنا وقوارب دورية سريعة من طراز فيتا. كما تقدمت الولايات المتحدة لقطر بعرض لبيع طائرات من طراز F16 ونظام باتريوت للدفاع الجوي.و يقال ان قطر سوف تحاول شراء هذه المقاتلات إذا نجحت في بيع طائراتها من طراز ميراج 2000، التي عرضتها للبيع منذ العام

2002.وما يمكن قوله بوجه عام في صفقات التسليح الأميركي لدول الخليج هو أن هذه الصفقات، على الرغم من تناميها المستمر، فلا زالت تثير مخاوف داخل الكونغرس من احتمال استخدامها ضد إسرائيل يوما ما. ومن المعروف أن القانون الأميركي يمنع بيع الأسلحة الأميركية لأية دولة عربية تقاطع السلع الإسرائيلية، ولكن تلك المادة لا تطبق على دول مجلس التعاون الخليجي بناء على موافقة سنوية من الكونغرس.

وحسب رؤية الولايات المتحدة، تخدم العديد من الأسلحة الجوية الأميركية التي تلقتها دول مجلس التعاون غرض التأمين من التهديدات الإيرانية.بيد أن التساؤل هو ما إذا كان شراء بعض الأسلحة البرية يخدم أية غرض مفيد، علما بأن خطر صدام من العراق قد زال وأن إيران لا تمتلك القدرة على مهاجمة هذه الدول من البر.

إنما بغض النظر عن هذا السجال، فان ما تحتاج إليه دول الإقليم هو العمل على خفض تدريجي لإنفاقها الدفاعي، بما يخفف من واقع العسكرة التي تشهدها المنطقة اليوم، ويدفع بجزء من أمول هذا الانفاق إلى مشاريع التنمية الاجتماعية والاقتصادية، التي تشكل في جوهرها القاعدة الفعلية لانجاز مقولات الأمن القومي.

ودول المنطقة معنية في الوقت نفسه بالاتفاق على ترتيبات تفرض قدرا من الالتزام المحدد بحجم الإنفاق الدفاعي وكيفية توزيعه على الفرع المختلفة للقطاع العسكري. فلا يتم، على سبيل المثال، الإنفاق من خارج ما هو مخصص للأغراض العسكرية، أو نقل التكاليف إلى الأمام في الزمن من خلال الائتمانات.وفيما يتعلق بمستوى التسلح، ثمة حاجة للاتفاق، إما على ضبط التسلح، أي الحد من سباق التسلح وتقليل احتمالات الحرب، أو تحديد نطاقها وتحجيم العنف المسلح قدر الإمكان، أو نزع السلاح، الذي يشير إلى الخفض الجزئي لبعض الأسلحة، ويتطلب ذلك إبرام اتفاقات فرعية تحدد إجراءات التفتيش والرقابة، ومنها الرقابة على التجارب التي تجريها الدول على أسلحتها الجديدة، سبل استخدام الفضاء الخارجي والأجرام السماوية، وحقيقة الأنشطة التي تدور داخل المصانع والمختبرات ومحطات القوى.

وعادةً ما يواجه هذا النوع من الاتفاقيات عددا من العراقيل من قبيل تعذر الاتفاق حول معدلات مقبولة لنزع السلاح أو تخفيضه بحيث لا تترك طرفاً في وضع أسوأ من طرف آخر. ولذلك تتردد في مفاوضات هذا النوع من الاتفاقيات مفاهيم مثل الخفض المتوازن للأسلحة، مشكلات الأمن القومي ذات الطبيعة المتجددة، والتي في الغالب تجعل الدول متشككة فيما إذا كان المجتمع الدولي سيهبّ لنجدتها في حال تعرضها لتهديد، بصرف النظر عن أية ترتيبات أمنية تكون طرفاً فيها، إطار المشاركة الدولية في ترتيبات نزع السلاح، ارتفاع معدل التغيير في نظم إنتاج الأسلحة والتي تؤثر في مستقبل أية اتفاقيات دولية لنزع السلاح أو الرقابة عليه، العقبات السياسية كتحفظ الدول على إخضاع نظمها العسكرية للتفتيش والرقابة، وذلك إلى جانب الجوانب الفنية المعقدة لإجراءات الرقابة على تنفيذ تلك الاتفاقيات.


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية