تشاجرت طالبتان في المرحلة الابتدائية، وبلغ النزاع حد الاشتباك بالأيدي.. وحين رُفع الأمر إلى مديرة المدرسة.. تبين أن المشكلة قد نجمت عن نزاع حول أحقية السبق في مكان في فناء المدرسة تصله أشعة الشمس أثناء فترة الاستراحة أو ما يُسمى بالفسحة.
عندها تبين أن المكان المتاح لأكثر من أربعمائة طالبة للتمتع بدفء الشمس في تلك المدرسة المستأجرة والتي لا تزيد مساحتها على الخمسمائة متر مربع لا يزيد على شريط من بضعة سنتيمترات يمتد بجوار السور.. وهو ما أدّى إلى ذلك النزاع بين التلميذتين الخارجتين للتو كما بقية الطالبات من الفصول الباردة.
هذا ملمح عرضي لما قد يجري في مدارس شمال الوطن بأسره مع هذه الأجواء الباردة.
أطفال في عمر الزهور من البنين والبنات.. ينوؤون بثقل أحمال الملابس الشتوية وثقل كتب المقررات.. بعضهم يبدو في تلك الصباحات الباردة مثل فصيل من الأقزام نسبة لانتفاخ أجسادهم بتلك الملابس وقصر قاماتهم، والبعض الآخر ممن لا يجد ما يكفي منها.. يظل عاجزا عن إيقاف قفقفة أسنانه.. وفي المقابل مراهقون ومراهقات في المراحل التعليمية المتقدمة ممن يُسيطر عليهم هاجس الأناقة حتى في مثل هذه الظروف القارسة.. بأنوفهم المسدودة وخدودهم التي تتمعر فيها الدماء.. يرسمون المشهد الأكثر دراماتيكية.. وهم يحاولون الجمع بين الشتيتين.. مواجهة هذا الطقس السيبيري مع الاحتفاظ باستحقاقات الأناقة.
مشاهد كثيرة تستدعي كل مشاعر الحزن تحدث صبيحة كل يوم دراسي في مثل هذه الأيام الباردة حد التجمد.. ليس في الطرقات إلى المدارس وحسب وإنما حتى داخل الفصول والقاعات الدراسية.. خاصة في المدارس المستأجرة والتي لا يتوفر فيها في الغالب سوى تكييف بارد سيىء الصيانة.. والمديرات والمديرون يواجهون يوميا المزيد من حالات التقيؤ وإصابات البرد، ولا حول ولا قوة.. سوى محاولة إعادة الدفء إلى تلك الأجساد المتجمدة، أو الاتصال بالأسرة للتخلص من حالة يُفترض أنها خارج مهامهم الرسمية.
يحدث هذا ودرجات الحرارة التي يعلنها التليفزيون لا يبدو أنها على صلة بواقع الحال.. وبالتالي فعلى كافة إدارات التربية من جازان إلى القريات أن تلتزم بالتوقيت الشتوي الموحد لبدء وانتهاء اليوم الدراسي.. وفي المناهج التي تقررها الوزارة يدرّسون الطلاب أن المملكة العربية السعودية عبارة عن قارة كبيرة.. وهي بالفعل كذلك.. لكنهم على أرض الواقع لا يتعاملون مع أجزائها وفق هذا المفهوم، وإنما هم يُعاملون قارة المناهج هذه كما لو كانت بحجم قطر أو البحرين!!.
وهنا نريد أن نسأل وزارة التربية والتعليم وحتى وزارة الخدمة المدنية، طالما أن المملكة عبارة عن قارة.. أنتم مقتنعون بهذا أليس كذلك؟ إذن لماذا لا يتم التعامل مع مناطق الشمال تحديدا والتي تتعرض دائما في فصل الشتاء إلى موجات من البرد القارس كما هي الحال الآن.. من حيث بدء وانتهاء مواعيد الدراسة والعمل بشكل يراعي ظروف الطقس، ويوفر على أولئك الصغار تلك المعاناة اليومية الكبيرة، والتي يتحول فيها بعض الأطفال إلى ضباع صغيرة لا تستطيع أن تلوي رقابها للالتفات من كثرة الملابس؟.. بل لماذا لا تتخلص هذه الجهات من مركزية القرار.. لتدع لمسؤوليها في المناطق مراعاة ظروف الطقس وحق تقدير المواعيد المناسبة في الأيام الأشد برودة؟.
وكم كنا نتمنى لو أوفدت الوزارة بعض اللجان للوقوف على حال مدارسهم في هذه الأجواء خاصة في المدارس المستأجرة وما يعانيه طلابهم وطالباتهم فيها من لدغات البرد السامة.. كم كنا نتمنى لو وقفت على حالهم أيام الاختبارات حينما يفشل التلاميذ في جمع أصابعهم على أقلامهم نتيجة التجمد.. أما مدارس القرى.....!!.
إنني على يقين بأن الدنيا لن تفقد إشراقة ساعة في مناطق الشمال فيما لو تم تأخير اليوم الدراسي أو العملي عموما بعض الوقت ليتناسب مع طبيعة ظروفها المناخية.
ولعلي أستعيد في هذا السياق ما كنتُ قد سمعته من أحد المسؤولين حينما ناقشته عن السر في توحيد مواصفات المباني المدرسية في كافة مناطق المملكة رغم تباين الطقس فيها واتهمني حينها بما أسماه برغبة التوجع مشيرا إلى أن الطلاب في دول أوربية وغربية كثيرة يذهبون إلى مدارسهم في ظروف مناخية أشد قسوة.. دون أن يعلق على إجابتي حينما قلت له: نعم هذا صحيح ولكنهم يوفرون مدارس تتلاءم وذلك المناخ ليس في الصفوف فقط وإنما حتى في الأفنية، ولا يضعون مدارسهم في منازل كانت مصممة لمعيشة أسرة واحدة!.. ومع هذا فأنا لا أريد أن أخوض في هذه التفاصيل التي نؤمن معا أن السرعة في التوسع كانت أحد مقتضياتها.. لكن تبقى هنالك بعض الحلول لمعالجة هذا الوضع متى استشعرت وزارة التربية حجم معاناة أبنائها في مناطق الشمال مع هذه الأجواء الباردة، وتوفرت لديها الإرادة لمعالجتها.