د. شروق الفواز
أعلنت الميزانية العامة للعام المالي الجديد بأرقام رائعة تبشر بالخير وتطمئن الكثير من القلوب الوجلة!!
وبالرغم من سخاء الميزانية وتنوعها إلا أنها ظلت مبهمة في جانب مهم وقد تكون أغفلته حتى وإن بدت شاملة له بالمعنى العام!
ولكنها حقيقة لم تفرده كعنصر مهم كان ولا يزال مسببا رئيسا في كثير من هموم المجتمع السعودي واذا لم يولَ الاهتمام اللازم الذي يستحقه فإنه قد يكون أشد جروح المجتمع ايلاما ونزفا.
فإذا كانت الميزانية الحالية بما خصصته من دعم سخي لكثير من المشاريع التنموية قد فتحت نوافذ كثيرة للامل ومجالات أوسع لتوظيف الشباب فإنها لم تظهر أي تقدم فيما يخص البطالة النسائية التي ترتفع وتتزايد مع الوقت لتصل إلى أرقام مقلقة تهدد أمن المجتمع واستقراره!
قد يجد البعض غرابة فيما أتكلم عنه. فأي بطالة تلك التي يمكن أن تهز موازين المجتمع غير بطالة الرجال ولهذا فإني أفرد السطور القادمة لضيقي الأفق من الرجال الذين لا يرون حلولا لها أو مسببات إلا في حدود لا تتعدى ما تتطأه أقدامهم.
تعاني المرأة السعودية في بيت أهلها وفي معظم الأحوال وحتى في أكثر البيوت استقرارا من مشكلة مركبة هي الفراغ والخواء وخلو الحياة من هدف حقيقي يجعلها أسيرة للملل ولحلم واحد هو الزواج أملا في أن يغير ذلك من محتوى حياتها الرتيب الخالي من هموم الحياة ومشاكلها الطبيعية والمستجدة. أما المرأة في البيوت المحتاجة أو تلك التي تكافح من أجل الستر ولقمة العيش فتعاني مما هو أمرّ. تعاني من الاحتياج وقلة الحيلة ليكملها الفراغ الذي يحيطها بدائرة استنزافية قد تصيبها بالأمراض أو بما هو أصعب وأبعد عن الادراك لمحدودي النظر طبعا.
سؤال بسيط ما هي أكثر البلدان تصديرا للبغاء ،إنها الفقيرة منها. ومتى يمكن أن تبيع المرأة جسدها؟ في حالة واحدة الفقر والاحتياج ونحن نتكلم هنا عن فئة تشكل نصف المجتمع وفرصها في العمل لا تتجاوز 10% في المئة ومعظمها تصب في قنوات ضيقة تخدم شريحة واحدة وهي الشريحة او الطبقة المتوسطة المتعلمة التي تحظى بصلات معينة وفيتامينات تعزز من فرصها بالفوز.
الفقر والاحتياج والفراغ عوامل قوية تنخر في الجسد وتضعف كثيرا من الهمم وتخترق العقائد والمعتقدات والأخلاق لأنها تستمد سيطرتها من غريزة هي الأقوى تأثيرا على الانسان وهي غريزة البقاء.
أعمار الزواج بالنسبة للفتيات في ارتفاع والسبب الرئيسي هو ظروف الحياة التي تؤخر من فرص الشاب في التأهل والاستعداد لبناء الأسرة وفي بعض الأحيان تجعلها مستحيلة الا من فرصة واحدة وهي وجود يد أخرى مساعدة له في البناء وفي التصدي لكثير من متطلبات الحياة الأساسية.
قد يطرح البعض حلولا سهلة وسطحية وهي التعدد ولكنها لا تحل المشكلة لأنها تخدم فئة واحدة وهي الفئة المقتدرة وهذه تخلق مشكلات اجتماعية أخرى من عدم توافق في الزواج أو نشوء أسر مفككة ،أما اذا طبقت على الفئات المحدودة الدخل فإنها تحدث مآسي لأنها تولد أسرا فقيرة مفتقرة للحنان والرعاية وهذه تقود للانحراف والاجرام.
والحل المنطقي الطبيعي هو في استيعاب احتياجات المجتمع الحقيقية وتوجيهها بحكمة ودراية لأكثر الأحوال استقرارا وأكثرها تماشيا مع الظروف الطبيعية المعيشية.
أجدادنا الأوائل كانوا يتعاونون كأسرة واحدة في النهوض بهموم الأسرة المادية والمعيشية فكان الأب والأم والابن والابنة يتناوبون في الأعمال فيما بينهم فهذا يبذر ويزرع وتلك تسقي وآخر يحصد أو يخزن.
هذه سنة الحياة فلماذا نستنكف عنها.
الميزانية الحالية لم تطرح حلولا لبطالة المرأة ولم تفتح أي فرص لها في العمل مع أن ظروف المجتمع ومآسيه كلها تستجديها لذلك.
لماذا تسابق النساء عصافير الصباح في غدوها وتنهب الطرقات البعيدة المعبدة وغير المعبدة كل يوم لتعود الى بيوتها منهوكة القوى لا يصبرها الا أمل الانتقال لمكان أقرب أليس من أجل المال؟
ألا يكفي تهافت النساء على الوظائف التعليمية ومخاطرتهن بأرواحهن وتناسيهن لأحلامهن ودمائهن المهدرة على الأسفلت ليستدل به على مدى احتياج المرأة للعمل؟؟
أم أننا لا نزال نعيش الحالة ذاتها التي تقول بأن المرأة السعودية مكرمة عمن سواها لأنها تعيش في بيتها معززة مكرمة بينما رجال اسرتها يكدحون ليجلبوا المال الوفير الذي تنفقه على كمالياتها ومباهجها.
اسألكم بالله عن أي طبقة تحكون؟ ماذا عن الأرامل والمطلقات ماذا عن المعلمات اللاتي قضين نحبهن على الطرقات و الفتيات المنتحرات أو الأخريات اللاتي انسقن وراء وعود الشيطان هربا من الفراغ والفقر وبعن ذلك بخمسمائة أو ألف.
أيها المجتمع استيقظ فما زال هنالك الكثير لتسمعه..!