تعرت سياسة الرئيس الأمريكي في العراق، ومنطقة الشرق الأوسط كلها، وأصبحت كراقصة استربتيز تلقي آخر قطعة قماش عن بدنها.
انقلب البيت الأبيض، وأقال الرئيس وزير حربه، وجاء تقرير دامغ من بيكر يعلن فشل بوش الذريع في هذه الحروب المروعة، التي شنها بدون أي سبب وجيه على المنطقة، فأحالها - من أفغانستان حتى فلسطين وبيروت - إلى حرائق وأكوام من الرماد وجثث الموتى.. بكل تأكيد لا أحد يستطيع أن يحاسب السيد بوش، ولا أحد يستطيع أن يناقشه حول الجرائم الفظيعة التي سببتها جيوشه الجرارة، وغزواته المدمرة المنكرة على شعوب وأمم مسالمة تعيش على أرضها منذ آلاف السنين.. فهذه هي سياسة أمريكا الأصيلة في ثقافتها، وفي عهودها القديمة، منذ حروبها على الهنود الحمر.. أي أنها "العناية الإلهية" التي أطلقها الغزاة الأوائل، الذين فضلهم الله على العالمين فعقدوا معه عهداً على متن سفينتهم الأسطورية المقدسة: May flower والتي يعتبرونها من اللحظات الخالدة في التاريخ الإنساني كما يقول الرئيس الأمريكي: جون آدمس.. وترسيخاً لهذا العمل الإلهي فإن الرب قد ألهمهم استخدام الأوبئة والجراثيم، كالجدري، والطاعون الأسود، لقتل أعدائهم عند احتلال الأراضي، واعتبروا ذلك معجزة لا تقل عن معجزة الأوبئة العشرة التي أعطاها الله لموسى للفتك بالفراعنة في مصر..
هذه هي السياسة الأمريكية قديماً، ثم في صورتها المتكاملة منذ جورج واشنطن الذي قال: "إن طرد الهنود وإبادتهم وإحراق بيوتهم لا يختلف عن قتل وطرد الوحوش المفترسة من غاباتها".. مروراً بالسناتور هارت بنتون الذي تحدث أمام مجلس الشيوخ سنة 1846، قائلاً: "إن قدر أمريكا الأبدي هو الغزو والتوسع.. إنها مثل عصا موسى التي صارت أفعى وابتلعت كل الحبال.. هكذا ستغزو أمريكا الأراضي وتضمها أرضاً بعد أرض.."!!، إلى الرئيس ترومان، محرق هورشيما وناجازاكي بالقنابل الذرية..
وأخيراً السيد بوش الذي شاهد الناس قاطبة كيف يبيد الأطفال، والنساء والشيوخ في العراق بأخبث وسائل الإبادة والتدمير.. بل الذي حول المنطقة برمتها إلى نفايات من الأشعة، والسموم، والمبيدات البشرية، التي ستحول غالبية الأجيال القادمة إلى مجموعات من المجانين، والمشوهين بالإعاقات الجسدية والنفسية.. ويعزو السيد بوش ذلك كله إلى "العناية الإلهية".
لقد تعرت سياسة الرئيس الأمريكي ليس لأن الضمير الأمريكي صحا، واستيقظ، وعض على أصابعه من الندم، بسبب هذه الشنائع، والموبقات، والمحرمات، في حق الضمير، والأخلاق الإنسانية.. لا.. ولكن لأن سياسة الرئيس لم يكتب لها التوفيق والنجاح والانتصار، مما سبب حرجاً، وازعاجاً للحكومة الأمريكية، التي رأت بأم عينها دلائل العجز والإخفاق، والهزيمة.. بل رأت جنودها يعقرون، وينحرون، ويذبحون ذبح السخال في شوارع العراق ومدنه، مع سبعمائة مليار دولار ستجعل الخزانة الأمريكية على حافة الإفلاس والانهيار.. وهنا كان لزاماً أن يستيقظ الضمير الأمريكي السياسي والاقتصادي فيكتشف العوار، ويدعو صراحة إلى تدبر الأمر، ومحاولة الخروج من المأزق، والوحل الذي أركس فيه السيد بوش كرامة السيادة الأمريكية.
المضحك المبكي انه لا يزال هناك بقية من حلاب نمل السياسة الأمريكية من الكتاب العرب الذين يحاولون وببسالة وفدائية نادرة ستر عورة سياسة السيد بوش، إلى درجة ان بعضهم أخذ يطعن في صحة وسلامة ونزاهة تقرير بيكر.. بل صار البعض منهم يذرفون الدموع على إقالة رامسفيلد، ويقرعون سن الندم على رحيل بولتون..!!
ألم أقل لكم إنه أمر مضحك مبك..؟
بلى.. ولكنها أيضاً "البارانويا" التي عادة ما تصيب عشاق البطش الأمريكي..