تقرير - د. عبدالمحسن سعد الداود
ونستكمل في هذا التقرير المشاهدات الخاصة بالتطور الصناعي والتقني الذي شهدته تايوان خلال السنوات القليلة الماضية حيث قامت بتبني وسائل صناعية جديدة كان أهمها على الاطلاق صناعة التقنية الحيوية وصناعة التقنية النانونية اللتين تعدان من أحدث الثورات الصناعية التقنية عالمياً.
كما يتناول التقرير أيضاً التغير الاجتماعي الذي يعيشه الشباب نتيجة للتطور الصناعي وتأثيره على التراث الأصيل الذي دفع بهذا النمو والتطور إلى الأمام.. ونتناول أيضاً السياحة وهل تحظى باهتمام لجذب السائحين من الخارجين إليها أم أن انشغالها بالركض الصناعي أغفل اهتمامها بالناحية السياحية؟..
** التقنية الحيوية:
* بالرغم من أن تايوان اشتهرت عالمياً بصناعاتها التقنية الدقيقة، وبشركاتها المتعددة التي أصبحت هي الأساس تقريباً لتصنيع الرقائق متناهية الصغر التي تقوم باستخدامها شركات عالمية في تصنيع الألعاب والاجهزة التقنية الدقيقة، إلا أن من غير المعروف لدى الآخرين أن هناك صناعة جديدة بدأت تنمو بقوة في تايوان تعتمد على التقنية الحيوية. وقد ساعد على نمو هذه الصناعة الاستفادة من المعرفة الغزيرة بطب الأعشاب مما مكن من تطوير عقاقير جديدة وأطعمة صحية ومعدات طبية وتقنيات الفحص والتشخيص. كما تمكنت صناعة التقنية الحيوية من تحقيق نتائج جيدة في تطوير لقاحات مرض السارز SARS، وهناك تجارب جادة تتم في معهد أبحاث التقنية على عقاقير خاصة بضبط السكر في الدم وعلاج السرطان.
ومن اهتمامات التقنية الحيوية تصنيع اجهزة العناية الطبية المنزلية مثل الاعاقات الجسمية والذهنية وتوفير المعدات والأجهزة لها، إضافة إلى تصنيع مختلف الأجهزة المساعدة سواء في التحليلات الطبية، أو الكشف الطبي المتقدم، إضافة إلى أجهزة العمل الطبية الذاتية مثل الإنسان الالي، والمتابعة الطبية في المنزل وربطها اليكترونياً بالمراكزالطبية المتقدمة.
هذا الجانب في الصناعة تطور خلال سنوات قصيرة بشكل مذهل حتى أن مبيعاته وصلت إلى 3.8بلايين دولار عام 2003م تشكل المستحضرات الصيدلية 47% منها، وتشكل الأجهزة الطبية 31% منها. ودعما لصناعة التقنية الحيوية أقيم في أغسطس عام 2004م مركز احتضان للتقنية في بانكانج لتقديم تسهيلات البحث للشركات المهتمة، وفي منتزه هينشو العلمي سيكتمل إقامة منتزه طبي حيوي متكامل يشمل مستشفى ومنشآت للأبحاث بحلول عام 2008م. وقد اجتذبت التقنية الحيوية بالفعل استثمارات بلغت قيمتها 5.7بلايين دولار حتى الآن.
ولم يتوقف دعم صناعة التقنية الحيوية عند هذا الحد بل إن النية تتجه إلى تحويل قطاع التقنية الحيوية إلى صناعة أساسية باستثمارات تتجاوز 4بلايين دولار، وبمعدل نمو سنوي يصل إلى نسبة 25% مع حلول عام 2008م، وكذلك رفع عدد الشركات المتخصصة في التقنية الحيوية من 150شركة حالياً إلى 500شركة بحلول عام 2011م.
** التقنية النانونية:
والتقنية النانونية المقصود بها القياسات المتناهية الصغر.. وقد بدأت الصناعة التايوانية الاهتمام بها منذ سنوات، وأصبحت واقعاً صناعياً منذ إنشاء مركز أبحاث التقنية النانونية عام 2002م، ثم ازداد الاهتمام بهذه التقنية باطلاق برنامج عن علم النانو مدته خمس سنوات عام 2004م بميزانية بلغت 700مليون دولار ليقوم برسم خطة شاملة لابتكار تطبيقات علمية في المجالات الصناعية المختلفة وخاصة في صناعة التقنية المتقدمة والالكترونيات والتقنية الحيوية. وهذا الاهتمام بالتقنية النانونية أحدث ثورة جديدة في تايوان بدءاً من الألياف والخزف وصولاً إلى مستحضرات التجميل والثلاجات.
ويأتي أكبر المستفيدين من هذه الثورة الجديدة شركات التصنيع التقليدية التي بدأت في تطبيق التقنية النانونية ضمن عمليات إنتاجها، فقد ارتفع الطلب بشدة على المبتكرات الحديثة مثل منتجات ألياف الكربون المنشطة بمقاييس النانو منذ عام 2003م بسبب تفشي وباء السارز SARS والخوف المتزايد من الرعب الحيوي.
وتكمن فرص الاستثمار الجديدة في قطاع التقنية المتقدمة في شاشات العرض والبصريات واللوحات المسطحة وتخزين البيانات والاتصالات والدوائر المتكاملة وخلافها من الصناعات العادية. ونتيجة لزيادة الاعتماد على هذه التقنية الجديدة تزايدت براءات الاختراع في مجال تطبيقات التقنية النانونية، إذ إنه بين الأعوام 1990م و1999م كان لدى تايوان 131براءة اختراع مقبولة في الولايات المتحدة الأمريكية، ثم قفز هذا الرقم ليصبح 244بين عامي 2000م و2003م مانحاً تايوان المرتبة السادسة من ناحية براءات الاختراع المسجلة لدى الولايات المتحدة الأمريكية في التقنية النانونية. وتخطط تايوان بأن يصل حجم إنتاجها في مجال التقنية النانونية إلى ما يقارب 29بليون دولار أو 3% من السوق العالمي بحلول عام 2010م.
** تقنيات الفضاء:
وعند الغوص في التفوق الصناعي لتايوان نجد أن هذه البراعة امتدت لتشمل أيضاً تطوير صناعة الفضاء لتكون بذلك الدولة الخامسة عشرة التي تمتلك قمراً صناعياً أطلق من قاعدة (كاب كانفيرال) بفلوريدا بالولايات المتحدة الأمريكية وسمى(فورموسات-1) عام 1999م. وهذا القمر نتاج تعاون مشترك بين مهندسي تايوان والولايات المتحدة الأمريكية قبل إيقافه عن العمل عام 2004م. وقد قام القمر أثناء مدة عمله بنقل معطيات عملية للباحثين في مجال علم المحيطات حول العالم، مساهماً بذلك في الأبحاث العلمية المحلية والعالمية.
بدأ القمر الصناعي في تايوان بصورة بيانات علمية مدتها خمس سنوات في مايو 2004م وهو يزود الباحثين في تايوان بصورة بيانات قريبة للواقع عن بيئة تايوان ومواردها والتي تستخدم للتنبؤ بإنتاجية المحاصيل وتحديد نسبة الأضرار التي تتسبب فيها الكوراث الطبيعية، ومراقبة استخدام الأرض، كما يقوم القمر ببحث ظاهرة البرق في الغلاف الجوي العلوي مما يساعد الباحثين على تحليل الصور خلال الظروف الجوية السيئة.
وقد بدأ في يناير عام 2001م مشروع جديد مشترك بين تايوان والولايات المتحدة الأمريكية لتطوير مشروع القمر الصناعي الثالث (فورموسات-3). وهذه الكوكبة المكونة من ستة أقمار متناهية الصغر سوف تجهز بأنظمة تحديد مواقع عالمية لجمع المعلومات لمراقبة الظروف الجوية وتوجيه الأبحاث الخاصة بالمناخ والغلاف الأيوني والجاذبية.
ولعل من أهم أهداف تقنية الفضاء هو دعم فعالية البحث والتطوير لدى الشركات المحلية التي تنتج مكونات القمر الصناعي مثل الحاسب الآلي والهوائيات الخاصة بالاقمار الصناعية، مما أسهم في إنشاء مؤسسة لتقنية فضاء تايوان، وعزز القدرة التنافسية في صناعة التقنية المتقدمة المحلية.
** دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة:
حينما بدأ الاهتمام بالتصنيع كان يعتمد في معظمه على الأفراد والعائلات الذين قاموا بتأسيس شركات في مواقعهم وبإمكانيات محدودة. ومع النهضة الصناعية بدأ عدد من الشركات في التحول إلى شركات كبرى وحتى متعددة الاهتمامات،ولكن بقي كثير منها يعتمد على العائلة أو الشركاء المحدودين، وهو في الواقع ما كان يميز الانتاج الصناعي لهذه الشركات حيث انه يساعد على سرعة الاستجابة لمتطلبات السوق.
وفي ظل التنافس العالمي وبروز اسواق جديدة كان لابد من تقديم دعم استشاري وفني ومالي لهذه الشركات لتندمج مع بعضها، ولتستمر في المنافسة العالمية، فتم إنشاء إدارة متخصصة لدعم الشركات المتوسطة والصغيرة تابعة لوزارة الشؤون الاقتصادية لتتولى مسؤولية دعم هذه الشركات وتشجيعها للبقاء في معدل نمو اقتصادي متوازن.
وفي لقاء مع المدير العام لهذه الإدارة الدكتور ديفيد هسو قال: إن السبب في إنشاء هذه الادارة يعود لكون 97% تقريباً من الشركات العاملة في تايوان تصنف على أنها إما صغيرة أو متوسطة فيوجد أكثر من مليون مصنع بعضها صغير للغاية يتولى كل واحد منها تصنيع جزئيات مختلفة للشركات الكبرى، وبالرغم من أن هذه الشركات لاتشكل سوى نسبة 30% فقط من حجم التصدير الإجمالي إلا أن الإدارة تقوم بمتابعتها ولدينا احصاءات متكاملة عن قوتها المالية وحجم انتاجها وحتى الصعوبات التي تواجهها وذلك بهدف مساعدتهم على تنمية منتجاتهم الصناعية، وتشجيعهم على تطبيق الاساليب التسويقية المبتكرة عالميا، وإزالة أي معوقات قد تعترضهم أثناء التصدير، ويضيف قائلا: ان هذه الإدارة تقوم أيضاً بتقديم الخدمات الاستشارية والبحثية لهم، وتوجيههم نحو الصناعات الممكنة والناضجة، هذا خلاف تقديم الحوافز التشجيعية مثل الجوائز السنوية، وتزويدهم بمعلومات عن سياسات الإقراض الصناعي في البنوك أو من خلال صندوق دعم الصناعات الحكومي، ويؤكد على أنه في المقابل وبالرغم من تشجيع هذه الشركات على الاندماج وخاصة المتماثل منها لكننا لانفرضه عليهم لاعطائهم نوعا من الاستقلالية في أعمالهم.
وأما توماس ياه نائب رئيس المجلس التنفيذي للتخطيط والتنمية الاقتصادية فيؤكد أيضاً على هذه الحقيقة مشيراً إلى أن المجلس يشجع المستثمرين بصفة عامة على تنويع استثماراتهم وعدم التركيز على دولة واحدة، كما يشجع على تنمية الاستثمار الخارجي حيث بلغت الاستثمارات الخارجية أكثر من 200بليون دولار منها 95بليون دولار في الصين لوحدها.
** الحكومة الالكترونية والحياة الالكترونية:
الحديث عن الحكومة الاليكتروينة يتزامن في معظم الأحيان مع الحديث عن التطور التقني، وتأتي تايوان واحدة من الدول المتقدمة في مجال تقنية المعلومات والاتصالات التي تطورت بشكل مذهل خلال العقد الماضي، ولهذا من الطبيعي أن تنشأ شبكة معلومات عالمية (انترنت) ذات بنية تحتية قوية وإقامة مجتمع معلومات متكامل.
ولم يتوقف التقدم في استخدام الانترنت والخدمات الموصولة بالشبكة، بل إن تايوان تبنت خطة قومية لبناء منظومة معلوماتية متكاملة للحكومة الاليكترونية التي تأتي كجزء من خطة التحدي التقني التي ستنتهي عام 2008م. وهدفها تثقيف جيل الكتروني وتطوير تايوان الرقمية.
وكنتيجة طبيعية لهذه الجهود المتفوقة في استخدام الحكومة الاليكترونية انخفض عدد الاستخدامات الورقية في المعاملات الحكومية بدرجة كبيرة، فمعظم الاجراءات العادية التي كانت تتم سابقاً ورقيا مثل أوراق الضرائب وإرشادات الأعمال التجارية الصغيرة والمتوسطة الحجم، ودفع الرسوم وطلبات الحصول على تراخيص الاستيراد والتصدير، والتأشيرات وتسجيل الأعمال التجارية، وامتيازات الاستثمار وغيرها تحولت جميعها لتكون الكترونية، وتم دمج العديد من تلك الخدمات مع وسائل أخرى مثل قاعدة بيانات فحص السيارات وتسجيل الأراضي وتيسير طلب الخدمة من الشبكة مباشرة لحاملي بطاقات الهوية المزودة بالدوائر المتكاملة التي تم إصدارها للمرة الأولى عام 2003م.
وقد جاءت تايوان على قائمة أفضل أداء للحكومة الالكترونية ضمن 198دولة في تقرير أعدته جامعة بروان الامريكية عام 2005م، وحصلت على المركز الخامس عشر فيما يتعلق بالاستعداد للارتباط بالشبكة في تقرير تقنية المعلومات العالمي 2004-2005م، كما حققت المركز السابع في باب مؤشر الفرص الرقمية في التقرير الذي أعده لأول مرة اتحاد الاتصالات الدولي عام 2005م.
وبحلول منتصف عام 2005م أصبح في تايوان 9.40ملايين مشترك بالانترنت مع نسبة نفاذ بلغت 41%، ويبلغ عدد مستخدمي النطاق العريض من كل هذا العدد 3.87ملايين مشترك وهي زيادة بلغت 97% عن الأعوام الخمسة السابقة. ولعل أهم ما يلاحظ في هذا الاتجاه الزيادة الثابتة في عدد مشتركي الانترنت المتنقل من 280000مشترك عام 2001م إلى 6.85ملايين مشترك في يونيه 2005م. ويعود سبب هذا التنامي في استخدام الشبكة إلى امتلاك تايوان لنسبة نفاذ عالية للهاتف الخلوي وتعتبر مصنعاً لمعظم منتجات الشبكة اللاسلكية المحلية.
** خطة التطوير القومي
ومن خلال هذا الاستعراض التفصيلي عن الصناعات التقنية واستخداماتها في تايوان نجد أن هذه الجزيرة قد تحولت وبحق لتصبح جزيرة تقنية خضراء ساهم فيها القطاع الخاص بشكل فاعل.
ومن المؤكد أن هذه التحولات التقنية السريعة ماكانت لتتحقق دون التزام بخطة التطوير القومي لعام 2008م التي وضعت سبعة أهداف لمواجهة تغير البيئة الاقتصادية في القرن الواحد والعشرين، ثلاثة منها متصلة مباشرة بنمو التقنية المتقدمة. وقد تم تحديد ميزانية ضخمة لتنفيذ خطة التطوير القومي هذه بلغت 75بليون دولار تقوم بالسعي إلى التوسع في عدد المنتجات والتقنيات التي تتوافق مع أعلى المعايير العالمية، مع الاهتمام بالبحث العلمي والتطوير وزيادة الإنفاق عليه ليصل إلى نسبة 3% من إجمالي الناتج المحلي، إضافة إلى زيادة عدد مستخدمي الانترنت ذي النطاق العريض ليصبح أكثر من ستة ملايين مستخدم.
وتذهب خطة التطوير القومي إلى أبعد من ذلك لتحديد شركات بعينها لتطويرها وزيادة مشروعاتها التقنية فمثلا شركة (موبيل تايوان) وهي من مشاريع الإنشاء الرئيسة تخطط خلال الفترة بين عامي 2004م إلى 2008إلى أن تجتذب 3بلايين دولار من الاستثمارات الخاصة، هذا خلاف تخصيص ميزانية خاصة بقيمة 1.6بليون دولار لتقوية إمكانات تايوان في البحث والتطوير. ويأتي من ضمن ذلك أن تتولى الخطة مسؤولية الاشراف على خمسة عشر قسماً على الأقل من مراكز البحث العلمي داخل الجامعات، مع السعي إلى أن تصنف باعتبارها الأولى في آسيا كلها في خلال خمس سنوات، وإدراج واحدة من جامعات تايوان على الأقل ضمن أفضل مئة جامعة عالمية خلال عشر سنوات. ونجد أن هذا التطورالصناعي قد أثمر عن أرقام مهمة منها أن حجم الصادرات عام 2004قد بلغ 174بليون دولار، وبلغت احتياطات النقد الأجنبي في نفس العام 253بليون دولار.
**التغيير الاجتماعي:
ولما كان التقدم التكنولوجي يساهم في الحركة الاجتماعية، فإنه يمكن تقسيم عملية التغيير في تايوان عام 1949م إلى أربع مراحل، الأولى قبل عام 1960م عندما كانت تايوان مجتمعاً زراعياً إلى حد كبير حيث كان مايقارب 80% من الأهالي يحترفون أعمالاً ذات صلة بالزراعة وصيد الأسماك. وفي تلك المرحلة كان القطاع الزراعي يساهم بحوالي 30% تقريباً من إجمالي الناتج المحلي، بينما كانت نسبة مساهمة القطاع الصناعي لاتتجاوز 25%، أما قطاع الخدمات فكان نصيبه 45%.
أما المرحلة الثانية فبدأت من عام 1960م وحتى 1979م، ويمكن تسميتها بالفترة الانتقالية أو التحولية التي تغير فيها الاقتصاد التايواني من التمركز الاستيرادي إلى التوجه التصديري حيث بدأت الصناعات التي تعتمد على العمالة الكثيفة بالنمو مثل صناعات النسيج والأجهزة الكهربائية، وهبط تبعاً لذلك عدد العاملين في المزارع إلى أقل من 10%، وتراجع إجمالي الناتج المحلي للقطاع الزراعي من 25% عام 1962م إلى أقل من 10% عام 1987م، بينما قفز معدل القطاع الصناعي من 28% إلى 45% مع احتفاظ قطاع الخدمات بنفس مستواه السابق.
أما المرحلة الثالثة التي تمثلها حقبة الثمانينات فقد بدأ الاهتمام بصناعة المعلومات وصناعة الخدمات حيث لعبت دوراً بارزاً في تشكيل الملامح البارزة لهذه المرحلة. وقد انخفض انتاج القطاع الزراعي في هذه المرحلة ليشكل فقط 5% من اجمالي الناتج القومي.
وتبدأ المرحلة الرابعة في التسعينات حيث دخل المجتمع التايواني إلى العصر (ما بعد الصناعي)، الذي تشكل فيه صناعة التقنية العالية وصناعة الخدمات عماد أدائه الاقتصادي، ومن الأمثلة على ذلك إنشاء مدينة هينشو الصناعية التي تعتمد على الأسس العلمية. وبلغة أرقام إجمالي الناتج المحلي فقد انخفضت مساهمة القطاع الزراعي إلى أقل من 3% عام 1997م ، وبلغت 35% بالنسبة للقطاع الصناعي، بينما استحوذ قطاع الخدمات على نسبة ال 62% المتبقية. وتبعاً لهذه المراحل من التطور الاجتماعي ارتفع معدل متوسط الدخل الفردي من 40دولاراً عام 1949م إلى 15200دولار أمريكي لعدد سكان يصل إلى أكثر من 22مليون، ومعدل نمو اقتصادي سنوي يصل إلى مايقارب 6%، وبطالة تعد هي الأقل على مستوى العالم حيث انها لا تزيد عن 4% فقط.
ولكن ما مدى تأثير هذه النهضة الاقتصادية على الوضع الاجتماعي خاصة إذا علمنا أن تايوان تمتلك ثروة تاريخية وثقافية كبرى غنية تمتد لآلاف السنين، وتراثها وتقاليدها سواء في نمط الحياة اليومي أو في الحياة الاجتماعية غني بالكثير من القيم والمفاهيم التي تركز على العائلة.
في زيارتي إلى تايوان حرصت على الالتقاء بالجيل الجديد من الشباب وخاصة من طلبة الجامعات ودارت عدة اسئلة حول هذا التراث الغني وكيفية رؤيتهم له، وهل يتناسب مع المستجدات المتغيرة في عصر التقنية والسرعة الحالي؟.
وجدت أن أغلب الشباب أصبحوا أكثر تقبلا للتغيير من ذي قبل، بل ويتبنون المفهوم الغربي في الحياة، ويعتقدون أنه هو المناسب في ظل المتغيرات الحالية، كما لمست أن هناك رفضا لبعض التقاليد العائلية الاصيلة مثلا فيما يتعلق بسلطة الأب النهائية والانتقال من منزل إلى اخر ووحدة القرار، واحترام الكبار. وجدت أن كثيرا من أبناء الجيل الجديد يمجدون النموذج الغربي في الاستقلالية وطريقة الحياة، بل ولا يوجد لديهم مانع من أن يكون لديهم ما يطلق عليه في الغرب نظام (البوي فرند والقيرل فرند) من منطلق أنه حرية شخصية.. النمط الغربي في الحياة واللباس وحتى طريقة الاكل السريعة تجدها ظاهرة في مواقع كثيرة وخاصة في الاسواق الكبيرة..طبعا لاننسى أن طابع السرعة والانشغال هو الذي يطبع الحياة التايوانية بصفة عامة بسبب التحدي الذي يعيشونه نحو التغيير والتميز عالمياً. ولهذا من النادر أن تجد شاباً وهو غير مرتبط بعملين أو ثلاثة أعمال في وقت واحد وإن اختلفت مسمياتها، ولكنها جميعا تنبئ عن اصرار وحب للعمل بل وتقديس له في معظم الأحيان.. فالذي لايعمل لايوجد له حياة، ولكن هناك مطالبات بالاهتمام بالتراث والتقاليد الأصيلة حتى لاتنسلخ الأجيال الجديدة من تراثها العميق الذي حقق لها التفوق والتميز عالمياً. ولازالت هذه المطالبات تأتي على شكل حوارات ونقاشات لم تصل إلى مرحلة إنشاء مراكز دراسات متخصصة لتوجيه الشباب بصفة خاصة للمحافظة على تراثهم وتقاليدهم وربما يعود ذلك الى انشغالهم بالتفوق الصناعي أكثر من التركيز على جوانب التغير الاجتماعي.
** السياحة..جانب اخر من النهضة:
تتمتع تايوان بالعديد من المناظر الطبيعية الجميلة ولهذا فهي تسعى إلى مضاعفة عدد السائحين القادمين إليها ليصل إلى خمسة ملايين سائح سنوياً، ويبقى منتزه توركو الوطني في مدينة هوالين على المحيط الهادي كأحد أجمل المناظر الطبيعية التي يمكن للسائح أن يستمتع بها حيث تمتد سلسلة الجبال ذات الحوائط الرخامية في المنتزه بطول يزيد عن خمسة عشر متراً وبارتفاع يتجاوز في بعض المواقع سبعة الاف قدم، إضافة إلى توفر المياه الكبريتية، والجو المعتدل وسهولة الوصول إليها بواسطة الطيران أو عن طريق السكة الحديد أو من خلال الطرق السريعة.
ويوجد أيضاً في الجزيرة من المعالم السياحية منطقة الساحل الشرقي الوطنية التي لم تطالها يد التلوث ويتوفر بها تكوينات صخرية بديعة، هذا خلاف الجزيرة الخضراء التي تشتهر بينبوعها الحار المالح وهو واحد من ثلاثة في العالم كله وشعابها المرجانية والمناظر الساحلية الرائعة، وإلى الجنوب من هذه الجزيرة تقع جزيرة الاوركيد التي ينتشر فيها نبات الاوركيد الطبيعي.
ومما يميز تايوان سياحياً المهرجات الموسمية المتعددة، والمغامرات السياحية مثل التجديف وركوب الكانو والكاياك في سباق يمتلئ بالمغامرة والمتعة، هذا إضافة إلى رياضة الغطس وركوب الامواج وغيرها من المغامرات التي تنتشر في الجزيرة.