د. صنهات بدر العتيبي
ذكرنا في المحاضرة السابقة (أقصد المقالة السابقة) أن كثيراً من الأمور ذات الأبعاد السياسية والاجتماعية والاقتصادية متشابكة مع بعضها بشكل لا فكاك منه وتؤثر حركتها المجتمعة على التنافسية والجاذبية الاستثمارية للاقتصاد السعودي المزدهر الذي لا ينقصه إلا درجة عالية جداً من التفاعل والتنسيق بين القطاعات المختلفة من أجل تحقيق رؤية مشتركة ومصلحة الجميع. ولان الحديث كان عن عدد من الممارسات التي يتم فيها انتهاك الحقوق عموماً والحقوق المالية خاصة فان للامر علاقة لا تنفصم بالجريمة الاقتصادية مهما تنوعت أشكالها. باختصار غياب التنسيق والتكامل بين القطاعات يعني حضور الجريمة الاقتصادية بأبشع صورها.
تصدقون، ان عدم وجود "تأشيرة البصمة" مثلاً يشجع العمال على ارتكاب الكثير من الجرائم ثم يرمون انفسهم في أقرب مركز للمتخلفين فيتم تسفيرهم لوقت محدد ثم يعودون، والعود أقرد!! العمال الأجانب الذين يعملون في النقل لا يترددون عن بيع الحمولة وتفكيك السيارة وبيعها (قطعة قطعة) ثم يهرب أحدهم إلى بلده بكل بساطة (لا من شاف ولا من دري)!! ولم توجد آلية للتنسيق بين الجهات ذات العلاقة (الداخلية والتجارة والنقل والعمل والغرف) للقضاء على هذه الظاهرة وهي جريمة اقتصادية بمرتبة القرف!! بل أن الشغالات يدخلن من هذا الباب ويجدن الف طريقة وطريقة للهروب من منازل كفلائهن واللف والدوران هنا وهناك وتشكيل "مافيا شغالات" لا يشق لها غبار ولم توجد طريقة لمعالجة هذه الجريمة ذات الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية الخطيرة!!
ولأن الشيء بالشيء يذكر فان "مافيا خدمات الطلاب" تعيث فساداً في التعليم العالي وربما التعليم العام عندما يجد الطلاب بحوثاً ودراسات وترجمات وكل ما يطلبه الطالب من دروس خصوصية وخدمات لصوصية معروضة ب"ابخس الأثمان" ولا حياة لمن يوقف المدرسين الاجانب من اهانة شرف البحث العلمي والعبث بحقوق التأليف وتحطيم الأمانة العلمية. ولم يقتصر الأمر على المدرسين بل ان الذين يعملون في السكرتارية والمحاسبة وربما السباكة لا يترددون عن تقديم خدمات من هذا النوع مصداقاً للمقولة الشهيرة (قال من أمرك قال من نهاني)!! هذه الفوضى تأتي كنتاج لغياب التنسيق بين العديد من الجهات ذات العلاقة مثل وزارة الاعلام والداخلية والجامعات ولن نخلي مسؤولية المجتمع الذي بدأ يميل إلى طلب العلم بأسلوب "المعلبات الجاهزة" ويتصرف وفق مبدأ (من له حيلة فليحتل)!! حتى على مستوى البحث والدراسة!!
ومن الغريب انه يتم تشجيع عدد من الجرائم الاقتصادية (بدون قصد طبعاً) بسبب غياب التنسيق بين القطاعات المختلفة وانحسار التفاعل مع قضايا الاقتصاد والمجتمع. على سبيل المثال، الذين يسطون على السيارات لممارسة التفحيط أو التطعيس يجدون طريقاً سالكاً وأولئك الذين يشلحون كفراتها يجدون سوقاً واسعاً أما من يتخصصون في سرقة براميل الغاز والجوالات وشنط النساء وأغطية الصرف الصحي فأمامهم "سوق مفتوح" لبيع ما يسرقون في وضع خرافي قد لا يحدث إلا لدينا (خصوصية السرقة)!! وكل ذلك لأنه لا يوجد "تنسيق" مجرد تنسيق بين القطاعات الحكومية والجهات ذات العلاقة في القطاع الخاص ومؤسسات المجتمع بصورة أوسع!!
فهل نجد التنسيق الذي يقطع الطريق على الجريمة الاقتصادية بكافة صورها!!
sunotaibi@alriyadh.com