بحث



الجمعه 2 ذي الحجة 1427هـ - 22ديسمبر 2006م - العدد 14060

عودة الى الأنظمة والمحاماة

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


ليس تجنياً على القضاة.. ولكنها الحقيقة !!

محمد عبدالعزيز المحمود
    ظهرت على المشهد الإنساني المعاصر لمجتمعنا هذه الأيام كثير من الجرائم المؤلمة، التي تزرع في النفوس الخوف والرعب، وتغرس في القلوب القهر والإذلال، يرتكبها أناسٌ نزع الله الرحمة من قلوبهم، وتجردوا من كل معاني الإنسانية، فتجرأوا على الاعتداء على الأنفس والأعراض بالقهر والقوة وغلبة السلاح، حتى أصبحت تلك الاعتداءات ديدناً لهم يكررونه ما سنحت لهم الفرصة بذلك، مستخدمين أحدث الوسائل في ارتكاب جرائمهم النكراء، التي تقشعر منها الأبدان، ويهتز لعظمتها عرش الرحمن، محاولين طمس معالم جريمتهم، وإخفاء الدلائل والآثار التي تكشف شخصيتهم؛ إلا أن رجال الضبط الجنائي في بلادنا المباركة، وبتوفيق من الله عز وجل وقفوا لهم بالمرصاد، وواكبوا تطور الجريمة وتعقيداتها، ورفعوا من كفاءة أنفسهم وقدراتها؛ فاستطاعوا بفضلٍ من الله عز وجل فك غموض تلك الجرائم الشنيعة، ونسبتها إلى مرتكبيها، ومن ثمّ تحويلهم لسلطة التحقيق التي تمثّلها تلك الهيئة الفتيّة، هيئة التحقيق والادعاء العام والتي خطت خطوات جيدة بالرغم من قصر عمرها الزمني في ساحة الأحداث، وقلة خبرة بعض منسوبيها في التعامل مع عتاة المجرمين ودهاة المفسدين، ولازال المجتمع بجميع فئاته ينتظر منها المزيد. ومع ما نشاهده اليوم من أخبار مفجعة في صحفنا المحلية التي لا يكاد يمر أسبوع إلا وتطالعنا بخبر اختطاف حدثٍ في ريعان شبابه، قد تعلق قلب والديه به، وأمّلا فيه آمالاً عريضة، كيف لا؟ وهو نورهما الذي يضيء لهما دروب الحياة، وفلذة كبديهما التي تمشي على الأرض.. وما نلبث - ولله الحمد - إلا وتطمئن نفوسنا، وتسكُن أرواحنا، وتعود السكينة إلى قلوبنا حين نقرأ خبر القبض على ذلك الخاطف الآثم.. ولكن.. ما ذا بعد هذا؟؟ ما مصير هذا الخاطف الذي أنهى حياة ذلك الفتى ودمّر نفسيته؟؟.. وزرع الألم والحسرة في قلب والديه اللذين يموتان في كل يوم مرة أو مرتين؟؟.. ما مصير ذلك الخاطف المجرم الذي ترك أهل ذلك الفتى في قهر وإذلال ما عاشوا على ظهر هذه البسيطة؟؟.. ما مصير ذلك الخاطف الذي أحرق قلب والديّ ذلك الفتى وهما يترددان به لجهات الضبط والتحقيق من أجل سماع أقواله؟؟.. ما مصير ذلك الخاطف الذي بذلت جهات البحث والاستدلال جهوداً كبيرة في سبيل التعرف على شخصه والقبض عليه؟؟.. ما مصير ذلك الخاطف الذي أرهق جهات التحقيق باستجوابه وجمع أدلة الإثبات ضده؛ سواءً المادية منها أم المعنوية؟؟.. بل ما مصير ذلك الخاطف الذي اُستخدمت أرقى وأغلى التقنيات الحديثة في تحليل ما خلّفه من آثار عقب ارتكابه لجريمته؟؟.. هذه أسئلة حيرى تنقدح في ذهن كل شخص يقرأ تلك الأخبار المتمثلة في القبض على هؤلاء المجرمين.. ولن يملك الإجابة عنها إلا قضاتنا الفضلاء الذين تشرفوا بحمل تلك الأمانة العظيمة التي عُرضت على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها.. قضاتنا الأفاضل الذين تقلدوا زمام الفصل بين الناس في الدماء والأعراض والأموال.. قضاتنا الأفاضل الذين نقدّر جهودهم المباركة، وتحمّلهم هذه المسئولية العظيمة بالرغم من قلة أعدادهم، وكثرة القضايا المعروضة أمامهم، والتي تحتاج الواحدة منها إلى دراسة وتأن، وتقليب النظر فيها المرات الكثيرة من أجل إصدار حكمٍ فيها.. فكيف سيكون الحال إذا علمنا أن بعض قضاتنا الأفاضل ينظر في اليوم الواحد عشر قضايا؟؟!!.. قضاتنا الأفاضل الذين لم يتجاوزوا الألف قاض، أو يزيدون على ذلك بقليل، ويفصلون في خصومات الملايين من البشر، من المواطنين والمقيمين، لا سيما وبلادنا المباركة تعيش ذلك التطور العمراني والاقتصادي والتقني، والنهضة التجارية الشاملة، والنمو السكاني الرهيب الذي فرضته المدنية المعاصرة، وطبيعة بلاد الحرمين الشريفين التي يقصدها الحجاج والزوار والمعتمرون من كل أرجاء الدنيا. كل هذه الأمور أوجدت ضغطاً رهيباً على قضاتنا الفضلاء، فلم يستطع البعض منهم تصور خطر هذه الجريمة العظيمة (الاختطاف).. يتضح ذلك جليّاً فيما نشاهده من أحكام ضعيفة هزيلة لا تتناسب مع خطر تلك الجريمة النكراء والاعتداء الآثم، الذي يخلّ بالأمن، ويروّع الآمنين، ويغرس في نفوس أولياء الأمور الخوف والذعر على أبنائهم وبناتهم، الأمرَ الذي جعل هذه الجرائم تنمو وتزداد يوماً بعد يوم، مما يؤذن بفوضى عارمة، وانتهاك للحقوق، وقلق وخوف كبيرين، وخصوصاً إذا رأى المجنى عليه أن غليله لن يُشفى بهذا الحكم الهزيل الذي لا يتجاوز أشهراً معدودة يقضيها ذلك المجرم في الإصلاحية، ثم يعود بعدها حراً طليقاً وكأن شيئاً لم يكن، فيؤثر الكثير من أولياء المجنى عليهم الصمت والصبر على مرارة هذه الجريمة لكون العقوبة التي ستلحق بهذا المجرم لا توازي تردد والد المجنى عليه على مراكز الشرط، ودوائر التحقيق في هيئة التحقيق والادعاء العام، وجلسات المحاكم، وما يتعرض له من أضرار معنوية عظيمة بسبب حديث الناس وكلامهم. فينبغي لقضاتنا الفضلاء - وفقنا الله وإياهم لكل خير - قبل إصدارهم أحكاماً في مثل هذه القضايا؛ أن يتصوّروا عظم الضرر الواقع على المجنى عليه وعلى أسرته.. وفداحة ذلك الجرم على المجتمع بأسره الذي يفور دم أفراده من تلك الجرائم، وتتأجج مشاعرهم الساخنة غيظاً وكمداً من هذه التصرفات التي تخلّ بأمنهم واستقرارهم؛ كل هذه الأمور تزيد من شناعة الجرم المقترف وتكون سبباً وظرفاً مشدداً للعقاب، خصوصاً إذا كانت الأدلة تقوي جانب القهر والقوة في اختطاف هؤلاء الفتيان حتى لو لم يعترف المتهمون بارتكاب الفعل الشنيع ما داموا أنهم قد أقروا بالخطف بالقهر والإجبار. بل يساورك العجب حين تعلم توافر الأدلة المادية الحديثة والتي لا يتطرق لها الشك بحال من الأحوال، كبصمة الحمض النووي(DNA) ضد ذلك المتهم بجرائم الاعتداء على الأعراض بالقهر والإجبار ثم لا يُحكم بموجب ذلك لاعتبارها قرينة من القرائن؟؟.. إن التطور الهائل في علم الأدلة الجنائية ودقة النتائج التي يتوصل لها الخبراء والتي تتم بعناية فائقة، ونزاهة عالية، بواسطة أجهزةٍ والآلات كلّفت على الدولة الأموال الباهظة؛ يستوجب على القضاة إعادة النظر في الأخذ بما تسفر من نتائج، والحكم بموجبها من دون تحرج أو شك، وإن لم يكن ذلك فلا أقل من أن تشدد العقوبة تشديداً بالغاً خصوصاً إذا صاحب ذلك تكرر سوابق المتهم، وجحده وإنكاره للدعوى المقامة ضده بالرغم من توافر أمثال تلك الأدلة القاطعة. يقول الله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسءعَوءنَ فِي الأَرءضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواء أَوء يُصَلَّبُواء أَوء تُقَطَّعَ أَيءدِيهِمء وَأَرءجُلُهُم مِّنء خِلافٍ أَوء يُنفَوءاء مِنَ الأَرءضِ ذَلِكَ لَهُمء خِزءيٌ فِي الدُّنءيَا وَلَهُمء فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (33) سورة المائدة. فهذه الآية الكريمة اعتبرت حق المجتمع بحق الله عز وجل، وأن مثل هذه الاعتداءات التي تقع على أفراد المجتمع إنما هي اعتداءٌ على الله تبارك وتعالى وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم، وفي هذا من تقديس المجتمع ما لا يخفى على عاقل؛ إذ إن محاربة الله عز وجل على الحقيقة غير ممكنة، لكن لمّا كان استقرار المجتمع وصيانة أمنه أمراً ضرورياً اُعتبر ذلك حقاً لله عز وجل وأن المساس به أو الاعتداء عليه إنما هو اعتداءٌ على حق من الحقوق المقدسة التي لا يملك أحدٌ التنازل عنها مهما كان شأنه. ثم إذا لم يكن الخطف بالقوة وتحت تهديد السلاح - أيّاً كان نوع ذلك السلاح - من جرائم الحرابة.. فما هي الحرابة إذن؟؟.. فالله عز وجل حين خلق الخلق أوجد لهم من العقوبات ما تستقيم به حياتهم، وتطمئن به نفوسهم، ولن يصلُح هذا المجتمع إلا بتطبيق حدود الله عز وجل في المجرمين المفسدين، الذين استهتروا بالقيم والمبادئ، ودفعتهم أنفسهم الشريرة للاعتداء والظلم، ولن يرتدعوا إلا بتطبيق أقصى العقوبات في حقهم، والتشهير بعقوباتهم في وسائل الإعلام وجعلهم عبرة للمعتبرين.

@ باحث قانوني

mmahmood@alriyadh.com

7 تعليقات
تنويه: في حال وجود ملاحظة أو اعتراض على أي تعليق يرجى الضغط على (إبلاغ)

 

يارب تكون وزير العدل


اشكرك على ثقتك بنفسك وعلى العقليه التي تكتب بها وعلى الوعي الكبير الذي تمتلكه. وفقك الله


ابراهيم
ابلاغ
07:47 صباحاً 2006/12/22

 

الله يوفقك دنيا وآخرة..


أخي الكاتب العظيم الأستاذ / محمد بن عبد العزيز المحمود
أسعد الله صباحك بكل خير
وأسعد الله حياتك كلها كما أسعدتنا بهذا المقال الجرئ العظيم
والله لقد تكلمت بلسان المجتمع كله
لقد قادتك الشجاعة ‘ىل الحديث في هذا الموضوع الذي طالما أطرقنا رؤسنا في التراب من أجله
لا نستطيع أن نوضح للقضاة خطر هذا الموضوع
الله أكبر
يعجز لساني عن وصف هذا المقال الرائع
أعذرني قليلا فسأعود لقراءته كل يوم بل كل ساعة
ويا ليت قضاتنا في وزارة العدل يقرأونه ويتمعنونه
شكرا لك
وشكرا لجريدة الرياض


أحمد
ابلاغ
10:58 صباحاً 2006/12/22

 


استاذ محمد تعجز انا ملي عن خط كلمات الشكر والثناء على مقالك الرائع والجريء
ولكن هذا ماعودتنا عليه في جميع مقالاتك
الجرأه في المواضيع الحساسه والي تهم كل مسلم
المصداقيه والشفافيه
الالتزام بآداب الكتابه وعدم التجريح
وبصراحه مااقدر اضيف الا تعليق بسيط عن الموضوع
ان الانسان اللي يخطفوه هالمجرمين ايش بتكون حياته المستقبليه؟
يعني هل القضاة عند اصدارهم الاحكام تكون نظرتهم بعيده بمعنى انه يحسوا بإحساس هالشخص ونفسيته بالمستقبل؟
شلون بتكون نفسيتهم؟ لو مرت السنوات صدقني بيظل هالحادث مثل الجرح اللي بالكف لو طاب بيبقى اثره في نفوس هالاطفال اللي مالهم ذنب
واظن انه اقل شي نجازي فيه هالمجرمين هو عقوبه تبرد على قلوب هالضحايا
عشان كل مايتذكروا هالجريمه ويحزنوا يتذكروا بنفس الوقت العقوبه اللي نالوها هالمجرمين فتحس نفوسهم ببعض الراحه حتى لوماكنت راحه كامله
عالاقل نبٌرد على قلوب هالضحايا
وفالنهايه انا اسفه عالاطاله لكن موضوعك رائع واقل شي نسويه نقف احترامآ لك ولقلمك


هنـد
ابلاغ
11:21 صباحاً 2006/12/22

 


مقال رائع بحق من جميع النواحي
من ناحية الطرح والأسلوب ومن ناحية قوة العبارات وتسلسلها بطريقة جميلة
كما يمتاز هذا المقال بالجرأة والشجاعة وكذلك بالتزام الأدب في الحوار والخطاب
سلمت أناملك


راشد
ابلاغ
11:20 مساءً 2006/12/22

 

ماشاء الله


والله كلام يكتب بماء الذهب بارك الله فيك ملاازم محمد المحمود على هذا الطرح الجيد


هيام
ابلاغ
01:54 صباحاً 2006/12/23

 

كم من مقال كنت اتمنا ان تكون ابي


محمد انت انسان عظيم انك انسان لاتعيش لحياتك فقط !!!
بل تعيش لملامسة حياة المجتمع تحس بمعاناتهم بمشاكلهم وتوضح للناس حال مجتمعنا 00 هذي الفعله لاتحصل عند جميع شرائح المجتمع وهذه الشريحه التي لاتحدث بها هذه الفعله الشنيعه نعم لايحس بها مقابل الشريحه المتضرره 00 وهذا من عظمه هذا الكاتب يتلمس جميع شرائح المجتمع وانا اهنيك على هذا الذهن المتفتح من جميع مشاكل ومواضيع المجتمع وسائل الله تعالى لك التوفيق 000 اخوك يوسف الهويمل 00 كلية الصيدله


يـــــــــوســـــــف الهويمل
ابلاغ
02:03 صباحاً 2006/12/23

 

شكروتقدير


فعلالن يصلح حال المجتمع الابتطبيق اشدالعقوبه على هؤلاء المفسدين
لافض فوك ايهاالكاتب القدير
واشكرلك طرحك الجريء والذي عودتنا عليه دائما


مهاالعبدالرحمن
ابلاغ
02:04 صباحاً 2006/12/23


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى الأنظمة والمحاماة

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية