كل الانقلابات العسكرية لا تقوم على النوايا الطيبة، لأنها اختراق للدستور والنظام الديمقراطي، وما حدث في تايلند نموذج متكرر من ضعف البناء السياسي والاجتماعي للديمقراطية، ومع افتراض أن الحكومة السابقة فاسدة وغير جديرة بإدارة الدولة، فإسقاطها كان من المنطق أن يتم من خلال البرلمان وسلطة الدولة القانونية، لا أن يتم التغيير بواسطة القوة العسكرية، والتي تعتبر نفسها حارس الفضيلة، والأهداف المثالية وهي من تخالف الأنظمة والقوانين..
في تركيا، واليونان وبلدان أخرى كانت سطوة العسكر قائمة وعندما تجد نفسها غير راضية عن سلوك الحكومة، أو مخالفة اتجاهات الجيش يتم التغيير بدون أي محاسبة للفاعلين، حتى أنه في ظل تلك الانقلابات نما الفساد بمضاعفات ما كان يجري في الحكومات المدنية..
الانقلاب التايلندي قاده ضابط مسلم، ونعرف أن دائرة العنف بين المسلمين ذوي الأقلية مع التايلنديين البوذيين الأكثرية ،لا تسير بالاتجاه الذي يتغلب على قضية التفرقة بين الطرفين، وإن ظلت أقل من الأقليات المسلمة في بعض البلدان، مثل الفلبين ويؤكد وصول رئيس القيادة العسكرية إلى المرتبة الأولى بقيادة مسلم، ان التغلب على ظاهرة التمايز الديني ربما تزول، وتجربة الهند عندما يكون العالم النووي الأول مسلماً ورئيس الجمهورية، وقيادات إسلامية أخرى تحقق لها مراكز عليا، ان الديمقراطيات هي المناعة الصحيحة لأي تقلبات، لكن الانقلاب التايلندي أضعف هذه القيمة، حتى لو بارك تلك الخطوات الملك الدستوري الذي يبقى مركزه شرفياً بدون صلاحيات والذي يحظى بشعبية غير عادية عند كل التنوعات الدينية والطائفية في تايلند.
الخلاف هنا أن الحكومات المنتخبة بالعالم الثالث يبقى بناؤها ضعيفاً أمام قوة الجيش، وهذه اللازمة عطلت نجاح الديمقراطية، وتحييد الجيش مثلما يحدث في الديمقراطيات العريقة والكبيرة ومع أن بعض الانقلابات يسهل عملية الانتخابات مرة أخرى، ويبقي على دستورية الحكومة المنتخبة إلا أن عوامل الاستمرارية والنجاح مرتهنة إلى مدى رغبة وتأييد العسكر لها، وهذا ما جعل الحكومات المدنية المنتخبة في حصار تام، ولا تتمتع بحصانة تجعلها تُحاسب أمام سلطة الشعب وقوانينه ودساتيره..