بحث



الخميس 28 شعبان 1427هـ -21 سبتمبر 2006م - العدد 13968

عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


« الجنية» لغازي القصيبي

غازي القصيبي
غازي القصيبي

حسين محمد بافقيه
    «لايزال المرء في فسحة من عقله ما لم يقل شعراً أو يولف كتاباً»

الجاحظ

اعترف أنني منذ عهدت في نفسي ميلاً إلى الادب والثقافة كنتُ قصيي الهوى، ولا أزال على بعد العهد بتلك السنوات أجد نفسي تتوق إلى مطالعة ما ينشره غازي القصيبي من دواوين وكتب وروايات، ويلذّ لي أن أجدد صلتي بشعره، حيناً بعد حين، أتعهد به طرفاً من ذاكرة أعود بها إلى عام 1403ه (1983م)، اقرأ شعره، واستظهر جانباً كبيراً منه، وأتتبع دواوينه الحديثة والقديمة، وأراني أغشى مكتبات تهامة - سقى الله أيامها وأيام منشئها محمد سعيد طيب - أتحين صدور ديوان لغازي أو كتاب يم طائفة من مقالاته، وكنت وثلة من الزملاء، في ذلك العهد، نأنس أن تردد ألسنتنا بعاً من أبيات له، وكنا نشمخ بأنوفنا عالياً حينما تستدعي ذاكرتنا في درس البلاغة - في المدرسة الثانوية - بيتاً من شعره شاهداً على استعارة مكنَّية أو تشبيه بليغ، ولطالما استخفنا الطرب ونحن نردد معه.

بيروتُ! ويحك أين السحرُ والطيب

وأين حسن على الشطآن مسكوبُ ؟

ولا أزال - على بُعد العهد - أتذكر جانباً من حفل الجسر الذي ربط بين المملكة والبحرين، وقصيدة القصيبي الجميلة التي يقول مطلعها

ضربُ من العشق لا دربُ من الحجر

هذا الذي سار بالواحات للجزُر

وكنا نعد غازي القصيبي شاعرنا - ذائقة وانتماءً - وكبر معنا هذا الاحساس بهذا الشاعر، الذي كنا نحس بقربه منا، وأنه - وقد كان حينذاك وزيراً للصناعة والكهرباء فوزيراً للصحة - ليس كأي وزير، فمالنا وللوزراء، فهذا القصيبي قريب أشد ما يكون القرب منا، يحس بما يطرب به الوطن من هموم، هي هموم أبنائه البسطاء، فتارة يبكي موتى مدرسة وقعت على رؤوس التلميذات في »جلاجل«، وتارة يرثي قريباً له، وتارات وتارات يسبح بنا - وقد كنا في الصدر الاول للشباب - في سماء هواؤها الحب والعشق والغرام، وتحوَّل في ذاكرة طائفة عرية من مواطنيه إلى فارس حقيقي، ويحلو للبسطاء أن يحكوا كيف فوجئ الطبيب المناوب في مستشفى في أقصى الشمال بذلك الرجل الملثم الذي اتح، بعد حين، انه وزير الصحة غازي القصيبي جاء متستخفياً يتعهد بنفسه حاجة الناس، ثم أسفنا، كثيراً، لفراقه، بعد أن حلت عليه نكبة البرامكة، فغادر الوزارة أشم أبيا تشيعه دعوات البسطاء والناس الطيبين، أما نحن شداة الادب فكنا - كمن يقترف جرماً يعاقب عليه القانون - نتداول، سراً، قصيدته »رسالة المتنبي الاخيرة إلى سيف الدولة«.

ولكن نجم القصيبي ما لبث أن سطع من جديد، وعاد إلى أمكنته القديمة في البحرين سفيراً لوطنه، ولان الذي يبقى، بعد أعباء الوظيفة، هو الادب والثقافة والفكر، جعلنا نتتبع أثر القصيبي هناك، وجعلنا نستعيد معه عشقه وهواه وصبواته، وكان - بحق - ألمع سفير سعودي; في البحرين، أولاً، ثم في بريطانيا، ثانياً، قبل أن يعود أدراجه إلى الوزارة من جديد، وقد أتته تجرر أذيالها.

ولكن سنوات السفارة كانت سمينة مثمرة: شعراً وقد انشأ يصدر طائفة من دواوينه; وبحثاً; وترجمة; ورحلة; وسيرة. بيد أن كل ذلك لا يعدل ذلك التحول الذي ألم به حين انشأ روايته الحبلى بالافكار والاهواء »شقة الحرية: 1994م« هذه الرواية التي آذنت بحقبة جديدة من عُمر الادب والثقافة في المملكة، والتي شرعت الباب أمام ذلك السيل من الروايات التي أشعرت الاخرين أن زمناً جديداً للرواية العربية كان قد شق طريقاً له في المملكة، وأنه ليس من الغلو والسرَّف في شيء أن يُقال عن هذا الزمن الذي بدأه غازي: انه زمن الرواية في السعودية! وانشأنا، منذ تلك الحقبة، نيف لقب »الروائي« إلى ألقاب غازي القصيبي الكثيرة: العميد والوزير والسَّفير والشاعر والناقد والمفكر.

وأغلب الظن أن غازي القصيبي وجد لافكاره التي تطرب في رأسه فسحة في البحث والرواية، أما الشعر فقد كان النُّقل الذي يتنقل به، في جدّه وعبثه، فشعره، على جودته، وسط، لا يرتفع فيحلق مع المحلقين، ولا يدنو فيسف مع المسفين من الناظمين وأشباه الشعراء، ولكن القصيبي، في شعره، حبيب إلى الناس، رزق الذيوع والسيرورة، وعسى أن يكون مرد ذلك أن شعره قريب المأتى، سهل العبارة، وأن القصيبي - ولاسيما في حقبته اللندنية - رام من وراء شعره أن يكون شاعراً »عربياً« لا شاعراً »سعودياً« وأراد لشعره أن يكون الغناء في فرح الشَّرق والبكاء في أحزانه، فلم يحتمل الانكليز لغازي جرأته، وقد خرج على ما تواضع عليه السفراء من أن يكونوا كائنات مخملية تعلو وجوههم الابتسامة أينما حلوا، وبخاصة فيما يقطعون به غربتهم بحفل هنا وحفل هناك، وكأنه أضحى من دأب القصيبي أن تكون له مع القصائد المشاغبة موعد، وأن يعزز خروجه من السفارة بقصيدة.

أما البحث وأما الرواية، فإنني لا أعد نفسي مسرفاً حينما أضع عدداً من كتب القصيبي في مصاف الكتب العربية الممتازة. هذا ما ألفيته في كتبه التي تنبئ عن علم كبير وعقل كبير: »حتى لا تكون فتنة«، و»أمريكا والسعودية«، و»عن قبيلتي أحدثكم« وهذا ما كانت عليه روايتاه »العصفورية«، و»حكاية حب«، هذه الاخيرة التي أحسب انها واسطة العقد في رواياته، مع أنها لم تصب من الذيوع والانتشار ما أصابته أخوات لها.

وفي القصيبي مزية فريدة هي أنه كالكيميائي الذي يحول المعادن الخسيسة إلى معادن نفيسة، فمن دأب الرجل أن يشرك قارئه في ما أخذ به نفسه من جد القول ولغوه، ولكنه، في كل ذلك، مجود، وأنت لا تملك نفسك من الطرف حينما تقرأ كتبه الصغيرة »الاسطورة«، وفيه يقص عليك طرفاً من علاقته بالاميرة ديانا، و»العودة سائحاً إلى كاليفورنيا« وفيه يستعيد ذكريات اختلافه إلى جامعتها وحياته فيها، وكذلك الشأن مع »الغزو الفكري«، و»العولمة والهوية الوطنية«. فثمة تجد القصيبي يخلط اطلاعه الواسع بما ألم بحياته وتجاربه من صروف، وتحس بأن لهذه القايا التي وقف عليها مذاقاً يختلف عن مذاق من عالج هذه البحوث من المولفين والباحثين.

ولا أحسبني قد أوفيت القصيبي حقه دون أن أومئ إلى ذائقته الشعرية العالية، فللرجل طائفة من الاختيارات الشعرية الباذخة، نعرف من خلالها كم أنفق من جهد ووقت قارئاً ممتازاً للشعر العربي; قديمه وحديثه، واصطفى لنا فرائد من ذلك الشعر في كتابه »في خيمة شاعر«، وكتابه »الالمام بغزل الفقهاء الاعلام«، وكتابه اللطيف »بيت«.

والذي يظهر على مصنفات القصيبي يدرك ولعه وفتنته بالتأليف والكتابة، وهو حفي بما يكتبه; شعراً ونثراً، تأليفاً وترجمة، ولعله يحس في ذاته إحساساً غاماً بجليل ما يكتبه، وشاهد ذلك أنه ما انفك ينشر في الناس جليل القول ويسيره، وهذا دأب من يحسن الظن كثيراً بنفسه، ولا يعيد النظر فيما ينشئه، ولا يعرف أن في الاكثار مظنة العثار، فيستوي لديه النادر والبارد، والدر والمخشلبة، وديدنه، فيما يصنف من كتب، أن يصنع نصاً صالحاً وآخر سيئاً، وهذا ضرب من الرضا بما يكتب عجيب، ولو كان الرجل حديث عهد بالكتابة لقيل: ناشئ، وعسى الايام أن تقوي عوده، ولكنه ذلك الفحل الذي خاض غمرات الكتابة، وراض العسير منها واليسير، وإلا كيف يستقيم أن ينشئ »شقة الحرية« و»العصفورية« و»حكاية حب« وهي في الذرى من آثاره، ثم يخرج للناس »سلمى« و»سعادة السفير« و»سبعة«، وهي مما لا يسوغ قبوله من كاتب ناشئ? ولكن القصيبي يرضى بأول خاطر يطرأ على فواده، وتراه يشفق على ما ينفث على لسانه ولا يرد طارقاً وقف ببابه.

ومن أظهر الدلائل على العجلة كتابه »الجنية: 2006م« وبينما وصفه القصيبي بأنه »حكاية«، أراد ناشره أن يكون »رواية« وليست الغاية هنا السوال: أحكاية هذا الكتاب أم رواية، والذي عليه الاصل أن يوخذ بقول الكاتب وتصنيفه لعمله الادبي، والذي أحسبه أن هذا الاثر ضرب آخر من الكتابة سوف أبين عنه فيما سيُقبل من حديث.

و»الجنية« زلة طالما وجدت لها أشباها فيما يعالجه القصيبي من فنون الكتابة، ولعل »شيطانه« فقد قوته وحار وأبلس، وألقى في روع غازي هذا الاثر الفاتر، فالكاتب أراد من وراء هذا العمل أن يفيد مما تناثر في وعي الناس وخيالهم من حكايا الجن والشياطين، وأن يصنع من كل ذلك نصاً أدبياً، وليس في ذلك بأس، فخف يقرأ كل ما وقعت عليه عينه من كتب عربية وأجنبية، ومن مصنفات في الفقه والدين والخرافة، وجعل يسأل أهل المعرفة بتلك الحكايات، وحين استوت لديه تلك المعرفة خط تلك السطور التي أصبحت صفحات، وأخرج هذا الكتاب الذي يقص فيه طرفاً من حكاية ضاري ضرغام البيع.

وضاري ضرغام البيع هذا شاب سعودي نزحت أسرته قبل قرون من نجد إلى الاحساء، ويعتزي إلى أسرة متفرعة الاصول، وكان من خبره بعد أن أتم دراسته الثانوية أن التحق بأرامكو التي ستبعثه، بعد حين، للاختلاف إلى احدى الجامعات الامريكية لدراسة علم الانسن »الانتربولوجيا«، وغايتها من ذلك معرفة أعمق بالمجتمع السعودي.

وبينما عاد ضاري، في احدى سفراته، إلى وطنه، حطت الطائرة في مطار الدار البياء، قبل أن تستأنف رحلتها، من جديد، إلى أرض الوطن، ويتعرَّف، هناك، على فتاة مغربية تعمل ميفة أرضية، وما إن رأته حتى أشفقت على ذلك الشاب الحائر النظرات، ومدت إليه يد العون، وأرشدته إلى فندق متواضع في المدينة، ليعود بعدها إلى وطنه، وقد أحس من نفسه ميلاً إلى تلك الفتاة الجميلة، وعقد العزم على أن يختارها زوجاً له.

وحين أنبأ والديه بما عزم عليه من أمر الزواج بالفتاة المغربية، قوبل عزمه برف شديد، ولكنه أسر الزواج بها، وفي أثناء نومه يحلم بموت فتاته ويرى قبرها، ولكنه لا يكترث لذلك، ويجد في السفر إلى المغرب، في أثناء عودته إلى أمريكا، وما ان تقف الطائرة ويوذن للمسافرين بالخروج منها، حتى يرى فتاته الجميلة في انتظاره، فيسعد لرؤيتها، وتصطحبه إلى بيت خالها ويتم هناك عقد الزواج في حور شاهدين.

وبعد أن قى وزوجه الجميلة أياماً لذيذة، وهم بمواصلة سفره إلى أمريكا، تنبئه زوجه - قبل أن يصعد إلى الطائرة- أنها ليست محبوبته »فاطمة الزهراء«، وإنما هي »جنية« تقمصت شخصيتها، فيتيقن ضاري صدق حلمه المفزع، ويحار لهذا الحادث الذي أوقعه في مصيدة الجنّ، ويكتشف، حينذاك، أن الخال والشاهدين على عقد الزواج ليسوا سوى نفر من الجن، فيصاب بألم مم، ولكن الجنية تخرجه من حيرته وتع في يده ورقة مكتوباً فيها اسمها الحقيقي »عائشة«، وتطلب إليه إن أحسن عاطفة نحوها أن يحرق هذه الورقة حتى تتمثل له بشراً سوياً وتعبر القارات والبحار وتصل إليه!

وبعد محطات من السرد يقرر ضاري أن يحرق الورقة، ويطل من دخانها الازرق جني اسمه قنديش بن قنديشة، ويخوضان معاً حواراً طويلاً عن »عائشة« الحقيقية أو »فاطمة الزهراء« المزعومة، ويتخلل ذلك أحاديث عن عالم الانس والجن، ويكتشف ضاري، وهو الباحث في علم الانسان، أن قنديش بن قنديشة باحث كذلك في شوون الناس وما يلم بهم من أحداث، ويصيخ السمع إلى آراء غريبة لقنديش في أصناف الناس وأحوالهم، وتنبث في أوصال ذلك الحديث معارف عن أصناف الجن وصلتهم بالانس، والتزاوج بينهم، والقوى الخارقة للجن، ويصلان، أخيراً إلى اتفاق بين ضاري والجنية عائشة لكي تستمر بينهما الحياة وهما زوجان، على أن تظهر عائشة في هيئتها الحقيقية، ولا سيما أن كليهما أحس في ذات نفسه ميلاً إلى الاخر، وإن كانت عائشة اشترطت عليه شرطاً غريباً، وهو أن لا تمكنه من نفسها، إلا بعد أن يختبر غيرها من النساء زوجات له، حتى يشعر برغبته الصادقة فيها، وهذا ما يقوم به ضاري بعد ذلك، ويخفق في الزواج مرتين، ويعود، من فوره، إلى عيشة قنديشة - وهذا اسمها المغربي - لتنتهي الحكاية، بعد دورات من السرد، بالطلاق البائن بين ضاري والجنية عيشة قنديشة، بمباركة شيخ من شيوخ الدين.

والذي فعله غازي القصيبي في »الجنية« لم يخرج عما ذاع على ألسنة الناس من أحاديث عن الجن يقطعون بها أوقاتهم، تعبيراً عن فشو الخرافة وغياب العقل، أو التماساً للذة والترويح، وإن كان الفارق بين ما يشيع على ألسنة الناس وما يحكيه القصيبي كبيراً، فبينما احتفظت حكايا الجن هناك بمسحة من القص الخرافي »الشعبي« لم يستطع القصيبي أن يكفل لحكايته ذلك الروح الشعبي المبني على الغريب والعجيب، ولم يستطع،كذلك، أن يولف من عالم الجن معماراً فنياً جديداً، أو مموناً فلسفياً ذا بال، ولكنه أدار حديثه بصورة »فاترة«، ولم يتقلب القارئ - أو لم أتقلب أنا على الاقل - في أطوار من المفاجآت التي عادة ما تحفل بها الحكايات التي تتخذ من العجيب والغريب فسحة لها.

وأغلب الظن أن القصيبي أراد من وراء »الجنية« أن يدل بسعة قراءته، وأنه لايزال ذلك القارئ الطلعة، وعسى أن يكون ثبت المصادر والمراجع الذي أنهى به كتابه شاهداً على هذا الظن. والحق أن القصيبي دلل من خلال ذلك الثبت على تبحره في القراءة، ووصوله إلى مصادر ومراجع نادرة ومهمة، غير أن من الحق، كذلك، أن تلكم المصادر والمراجع لم تف جديداً إلى »حكايته«، ولم نُحس لها أثراً فيما خاضه سرده، إلا ما كان من شواهد محدودة جاءت، وكأنها ألصقت بالنص إلصاقاً، وكأنها ذلك الجزء الغريب الذي يعافه جسد المري ولا يكاد يسيغه، وأما ما سوى ذلك من المصادر والمراجع التي بلغت ثمانين مصدراً ومرجعاً، فهي قد أفادت القصيبي ولكنها - واحسرتاه - لم تفد النص قيمة في الرؤية أو الاداة.

ولا يظنن أحد ان الرواية - والشعر والمسرح كذلك - قوامها الخيال فحسب. إن ذلك بين لاشك فيه. ولكن دونك ما تناثر من آثار أدبية، قديمة وحديثة، تر كيف عالج الشعراء والروائيون والمسرحيون الكتابة الادبية، ولعل نفراً منهم أعد لاثره الذي ينشئه العدة من القراءة الواسعة والتفرغ الذهني والعلمي والبحث والتفتيش حتى يستوي نصه كبيراً شامخاً، وإن القارئ ليستفيد، حين يقرؤه، أدباً ومعرفة، دون أن يصيب العلم والمعرفة ذلك الادب بالجفاف والمور، وما »مقامات« الحريري والهمذاني إلا أثر من آثار تلك الخلطة العجيبة ما يمت الى الادب وما يمت إلى العلم والمعرفة، وكذلك الشأن مع »رسالة التوابع والزوابع« لابن شهيد، وهي نص أدبي فذ عن الجن والحّن والانسان، تقرؤه أدباً فيلذ لك ذلك، وتقرؤه نقداً فتأنس لاحكامه، وأعجب كيف لم تقع عليه عين القصيبي، مع أنه يمت إلى »جنيته« بآصرة?! وكذلك الشأن في »رسالة الغفران« لابي العلاء المعري، و»الفردوس المفقود« لملتون.

ذلك في القديم. أما في العصر الحاضر، فدونك سيلاً من الاثار الادبية في الشعر والرواية والمسرح قام بناؤها على عشرات المصادر والمراجع، ولن أكون غالياً لو أوصلت عدداً منها إلى المئات، وأحسب أنه يكفي الالماع إلى »الفردوس اليباب« لاليوت، و»عوليس« لجمس جويس، وأعمال خرخي بورخيس، و»اسم الوردة« لامبرتو إيكو، وقد بدأ في الاعداد لها، بحثاً وتفتيشاً، منذ عام 1950م، ثم اخرجها للناس في ثمانينيات القرن الميلادي الماضي، و»الخيميائي« لباولو كويلو، و»شفرة دافنتشي« لدان براون، و»ابن سينا« لجلبرت سينويه، و»التجليات« لجمال الغيطاني، والروايات التاريخية لامين معلوف، وروايات إبراهيم الكوني، و»إنانة والنهر« لحليم بركات، و»حج الفجار« لموسى ولد ابنو.. الخ.

وبعد..

فقد كان العرب يعدّون الشعر »مزلة العقول«، ومبعث ذلك »فيما يقرر ابن رشيق-« أن أحداً ما صنفه قط فكتمه ولو كان ردياً، وإنما ذلك لسروره به، وإكباره إياه«. وإذا صدق ذلك على الشعر، فهو يصدق، أياً، على الرواية التي أضحى لها في عصرنا الحاضر شأن وأي شأن، وحق لها أن تكون »مزلة العقول«، وسبب ذلك إحسان نفر من الكتَّاب الظن بأنفسهم، كثيراً، وأرى أن غازي القصيبي أشد أولئك الكتاب إحسان ظن بنفسه، ولعله لا يجيل النظر فيما يكتب، وهو الناقد الحصيف، فيعلو، حيناً، ويهبط حيناً، ويرضى بكل ما يأتيه به »شيطانه« الذي فقد إبليسيته وناريته!

وليس تردي »الجنية« بواقف عند نوعها: أحكاية هي أم رواية? فباب الادب واسع، وفي فنون القول فسحة، وإنما في خلوها مما يسميه الروائي ماريو فرغاس يوسا »سلطة الاقناع«، ف»الجنية« خلت من الدهشة التي هي أخص ما في »الحكاية« في توحشها وغرابتها، وأضحت نصاً »مغسولاً« باهتاً، ولم تستطع السخرية أن تسمو بها، كعادة القصيبي في سخريته اللاذعة، ولم يستطع أن يستمد من »الحكاية« روحها وخلابتها، ووقف بنصه عند تخوم »الحكي« المعاد والمكرور، هذا و»الحكاية« حاضرة في غير أثر أدبي معاصر، نجدها في حكايات الروائي الارجنيتيني بورخيس، وفي روايات الروائي الليبي ابراهيم الكوني في متاهاتها الصحراوية وعالمها السحري، وفي أقاصيص الكاتب السوري زكريا تامر، ونجد أثراً منها حينما يتخذها جمهرة من الكتَّاب »أمثولة رمزية« تفصح عن شيء وتحجب شيئاً آخر، كما في كتابي طه حسين »جنَّة الشَّوك: 1945م«، و»مرآة المير الحديث: 1948م، ومقالته القصصية ذات الصلة بعوالم الجن والشياطين »شياطين البيان« في كتابه »جنَّة الحيوان: 1950م«.

لم تعط »الجنية« القصبي ما أراده منها، وكانت عصية، جامحة، خادعة، سترت نفسها عنه، ولم تفتح له صندوق الاسرار، ولم يشفع له أن رشح جبينه جهداً وتعباً في تعقب آثار الجن في ما خلفه لنا السَّلف والخلف، فخرج نصه عن أن يكون »حكاية« كما أراد هو، أو »رواية«، كما أراد ناشره، أو »بحثاً« كما أوهم ثبت مصادره ومراجعه، ولم نجد - نحن معشر القراء - في القصيبي - بعد أن نفنا أيدينا من جنيته - حكاء ولا روائياً ولا باحثاً، وكان يكفينا منه أن يكون واحداً من هولاء.


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







أعداد سابقة | نسخة أجهزة كفية | اتصل بنا | RSS |
جوال الرياض | القسم التجاري | مركز المعلومات | الإعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية