د. الشمري معقباً على م. با عبدالله حول (الأطباء كالباعة)!
د. محمد الشمري
أولا أنا أوافق على مجمل ما ذكره المهندس خالد باعبدالله من فكرة عامة من تشتت عمل الأطباء السعوديين بين القطاع الخاص والعمل بالمستشفى الحكومي. لكنني أعتقد أنه أخطأ بعرض بعض التصرفات السيئة من تحويل المرضى من المستشفى الحكومي للقطاع الخاص وكأنها ظاهرة عامة وهذا فيه تجن كبير على معظم الأطباء السعوديين الذي أكثرهم يستغل وجوده وعلاقاته بالمستشفى الحكومي لكي يدخل مريضا سعوديا للعلاج بالمستشفى الحكومي بما يعرف عندنا بالواسطة.
الجوهر بالقضية هو ماذا يدفع بطبيب سعودي متخرج من أمريكا أو كندا بتخصص دقيق (وهذة أكثر الشرائح عملا بالقطاع الخاص) للعمل مساء وترك عائلته والاستمتاع بحياته والمرمطة بين العيادات الخاصة والتعامل مع جشع أصحابها. السبب ليست المادة فقط ولو كان ذلك لجلسوا بأمريكا وكندا وتسلموا أربعة أضعاف رواتبهم هنا كما فعل القليل من الأطباء السعوديين خصوصا بأمريكا قبل أحداث 11 سبتمبر.
الكثير من الشباب من الأطباء السعوديين ممن ذهبوا للغرب وتغربوا وكافحوا ونافسوا الأطباء الأمريكان والكنديين وحصلوا على التخصصات الدقيقة بل والنادرة وحصلوا على الشهادات فيها في منطقتنا ثم جاءوا يصحبهم حماس كبير وآمال عريضة للعطاء وإنشاء مراكز مماثلة وتدريب الجيل الجديد من الأطباء بما تدربوا عليه بالغرب. المفترض أن تهيأ الفرصة وكل الظروف لهؤلاء الأطباء الشباب ويعطوا القيادة والدعم الكبير حتى يتم نقل التقنية الطبية للبلد ويخرج كل واحد منهم العشرات من الأطباء السعوديين بتخصصهم ويكافأوا ويقدروا على ذلك.
ما حصل هو أن هؤلاء يعاني أكثرهم من كبت كبير وإحباط شديد من العمل بالمستشفيات الحكومية حيث واجهتهم البيروقراطية والعقم الإداري والشللية والإقليمية والواسطة وعدم التقدير كأي دائرة حكومية بالعالم مما منعهم من تقديم ما لديهم. بل الكثير منهم لم واجه صعوبات بأن يتعين كاستشاري بالمستشفى الذي ابتعثه أصلا إن لم تكن لديه واسطة. أعرف شخصيا جراحا متميزا بالمنطقة الغربية تخرج من كندا لا يوجد بالبلد 5 أطباء بتخصصه جلس بدون وظيفة لشهور يصرف عليه والده.
تصور عزيزي القارئ أن طبيبا جراحا متخصصا بالمستشفى الحكومي لا يستطيع المرضى الوصول له وذلك لأن النظم الإدارية التي تشكلها لجان داخل المستشفى لا تفقه بالتخصص الجراحي وبدون مبررات علمية مقبولة تقرر أنه ليس من مصلحة المستشفى استقبال مثل تلك الحالات. تصورأن جراحا شابا متدربا بالجديد من تقنيات الجراحة المعتمدة بأفضل المستشفيات الأمريكية يمنعه رئيسه المتخرج منذ سنين طوال والذي لا يعرف هذة التقنيات من إجراء تلك الجراحات الحديثة بل ويضايقه في عمله ويمنع عنه المرضى ولا تهتم إدارة المستشفى بذلك. الآن هناك عزوف كبير من الجيل الجديد من الأطباء السعوديين عن الابتعاث بالتخصصات الجراحية الصعبة التي تحتاج سنوات من الغربة و العمل الشاق لما رأوه من وضع من قبلهم من حملة البوردات الأمريكية والكندية مما يطرح تساؤلا كبيراعن مستقبل الطب في بلدنا.
هؤلاء الشباب الأطباء السعوديون وأغلبهم من الجراحين هم المحبطون بالعمل بالمستشفيات الحكومية ويتقاضون رواتب أقل من إطباء أقل تخصصا منهم لانعدام الموازين للرواتب وتميزها حسب التخصص. أغلبهم يسكن بالإيجار هو وعائلته ويرغب بزيادة دخله وتحسين وضعه المادي بعد سنوات التعب والتدريب وعنده النشاط وهمة الشباب جعلتهم يعملون بالقطاع الخاص ويوجد عليهم طلب شديد لوجود حاجة ماسة لهم بالمجتمع (والقطاع الخاص يخدم الكثير) حيث يندر أن يأتي طبيب غير سعودي متخصص تخصصا جراحيا خارج بلده لأن الطب مربح في كل بلد. الأطباء السعوديون هم من رفع سمعة الطب الحكومي والخاص بالبلد وأصبح حتى أهل الخليج والبلدان المجاورة يأتون ولو بفيزة عمرة للعلاج بالسعودية.
يا أخي المرضى السعوديون يذهبون للأردن وألمانيا للعلاج ويستغلون هناك وتصرف الدولة عليهم الكثير ويوجد بالرياض وبجدة أطباء سعوديون أفضل بكثير ولا يوجد مثيل لهم سوى بأمريكا. أيضا الكثير من الناس لا يستطيع الوصول لطبيب متميز في مستشفى حكومي. مثلا أنت عسكري وتعالج بأحد المستشفيات العسكرية ولديك مشكلة طبية متميز بها طبيب بالمستشفى الجامعي أو مستشفى بجدة فهل نعاقبك ونقول لك ارض بما هو أقل ولا تذهب لذلك الطبيب السعودي لأننا منعناه من العمل بعيادة بالمساء من وقته الخاص.
ليس الحل بالمنع فالطبيب غير المخلص حتى ولم تكن لديه عيادة خاصة لن يخلص بعمله. وإذا كان الطبيب السعودي يستطيع فتح مطعم أومكتب عقاري بوقته الخاص لماذا لا يعمل بتخصصه وينفع الناس. أيضا هل نريد أن ندفع الطبيب السعودي للاستقالة من العمل بالمستشفى الحكومي وخدمة الضعاف من الناس والذهاب نهائيا للقطاع الخاص. لعلنا هنا نتذكر مشكلة المستشفى الخاص بالمنطقة الشرقية الذي عرض قبل سنوات رواتب أعلى من المستشفيات الحكومية وانهالت الاستقالات من أكبر المستشفيات الحكومية. كان أغلبهم من الجراحين الشباب المتميزين.
الحل أيضا ليس بالعيادات المسائية بالمستشفى الحكومي فعدم وجود مبان وأقسام منفصلة للقطاع الخاص ووجود التفكير الحكومي وانعدام الحس التجاري وفقدان المرونة أثبت فشل هذا الحل.
الحل يأتي بالخصخصة التي ترفض البيروقراطية وتشعل المنافسة وترقى بالمستوى وتبقى الأفضل الذي ينفع كما هو الحال بأمريكا. يجب أن نبدأ من حيث انتهى الناس ولا نريد اختراع العجلة مرة أخرى.