د. عبد الرحمن الشلاش
في الزمن الماضي كانت المدرسة تمثل مركز إشعاع للمجتمع والبيئة المحيطة بها ؛وبالتالي كان دورها التربوي واضحا كمؤسسة رئيسة من مؤسسات التنشئة الاجتماعية، ولم يكن للمدرسة أن تقوم بهذا الدور لولا المساندة المجتمعية ؛ فالآباء أو الأمهات يأتون بأبنائهم إلى المدرسة مشددين على كونها تتمتع بكافة الصلاحيات في تربية وتعليم أبنائهم، ومثلما كانوا يقولون «لكم اللحم ولنا العظم» ومع تحفظي الشديد على هذه العبارة القاسية إلا أنها دلت في زمنها على إيمان المجتمع بدور المدرسة في وقت لم يكن للأسرة ذلك الدور المؤثر نتيجة لمحدودية إعداد المتعلمين، وعدم امتلاك الأسرة الأساليب التي تمكنها من توجيه الأبناء وتعديل سلوكياتهم .
ولم يكن لمؤسسات التنشئة الأخرى الدور المؤثر مثل الإعلام وجماعة الرفاق.. إضافة إلى الشح في وسائل الترفيه، وضعف الحالة الاقتصادية، واقتصار مصادر المعرفة على الكتاب..
أما المجتمع فإنه محافظ على قيمه الدينية والاجتماعية وعاداته وتقاليده؛ فشاع الاحترام والتقدير والمحبة والألفة والإيثار.. إلى آخر القائمة من قيم جميلة بدأت تضمحل مع التغيرات المتلاحقة، ولذلك فدور المدرسة مقصور فيما مضى على تعزيز الاتجاهات الإيجابية وتوجيه السلوك والتعلم.
اليوم اختلفت الأحوال، وأصبح دور المدرسة التربوي محدودا نتيجة للعديد من العوامل الداخلية والخارجية، ومنها على سبيل المثال بروز أدوار مؤسسات أخرى أتت بتأثيراتها السلبية على المجتمع مثل الفضائيات والإنترنت والاتصالات..، والانتشار الكبير لوسائل الترفيه والراحة، وتغير الحياة الاجتماعية؛ فانشغلت الأسرة بكافة أفرادها، ودخلت العمالة إلى البيوت، وانتشرت مظاهر الإسراف والبذخ والسهر والسفر.. الخ.
ومع هذه التغيرات المضطردة تراجعت القيم وشاعت سلوكيات سيئة مثل عدم الاحترام، والاستخفاف بالآخرين، وخروج الأبناء مع جماعة الرفاق لأوقات متأخرة .. والنظر إلى المدرسة على أنها سجن ينبغي التخلص منه، وضعفت الدافعية للتعلم ..
ومع كل هذا تجاهد المدرسة ليبقى دورها التربوي قائما ومميزا ؛ بيد أن الواقع لا يسندها ؛ ففي إحصائية قمت بإعدادها وجدت أن الأبناء لا يقضون في المدرسة أكثر من أربعين يوما في السنة الهجرية بنسبة 11٪ فقط، بينما يصرفون ما تبقى من وقت خارج المدرسة ؛ أي ما يقارب 314 يوما هجريا 89٪ من السنة ؛ فالطالب يقضي في المدرسة ما يقارب من 6 ساعات يوميا، وفي الأسبوع 30 ساعة، أي يوم وربع، وتكون في الشهر خمسة أيام، وعلى افتراض أن العام ثمانية أشهر فتصبح الحصيلة أربعين يوما فقط .
هذا الوقت في نظري غير كاف لتقوم المدرسة بدورها التربوي، ولا بد من ربط الطالب على الأقل في مرحلة التعليم العام بالمدرسة ؛ فتقليل الإجازات، وتوزيع السنة إلى ثلاثة فصول دراسية بدلا من فصلين، واستحداث برامج مسائية في المدرسة على مدار العام تتسم بالتنوع والشمول وبمشاركة المجتمع، والاهتمام بدور المعلم بصفته قدوة لطلابه كفيلة بتعزيز الدور التربوي للمدرسة .. والله الموفق