عقد الأسبوع الماضي في الرياض «الملتقى العالمي لسلامة المريض والأخطاء الطبية» الذي نظمه وأشرف عليه مستشفى قوى الأمن. ومن يستعرض أسماء المشاركين في الملتقى سيجد أن هناك استقطاباً للكفاءات الجيدة في الحقل الطبي؛ فقد شارك في هذا الملتقى رئيس الاتحاد العالمي لسلامة المرضى في بريطانيا، ورئيسة سلامة المرضى في أميركا، ورئيس هيئة الاعتماد العالمية، والمدير التنفيذي للجمعية العالمية لجودة الخدمات الطبية، بالإضافة إلى خبراء وعلماء من كندا وإيرلندا وبعض الدول العربية والخليجية، وخبراء منظمة الصحة العالمية. وهناك جهد لا ينكر من القائمين على الملتقى في استضافة المهتمين بموضوع الأخطاء الطبية؛ فلهم جزيل الشكر على مجهودهم وسعيهم لإنجاح المنتدى وتحقيق الراحة للمشاركين فيه.
ولكن لا نستطيع إبعاد هذا الملتقى عن الصورة الذهنية لغيره من اللقاءات والمؤتمرات. فهذا الملتقى هو كغيره عبارة عن تجمّع علمي لتقديم أبحاث ودراسات ومقترحات لها علاقة بموضوع اللقاء. والناس تسأل دائمًا عن الهدف من الملتقى والنتائج التي خلص إليها والفائدة التي يريدون تحققها بالنسبة لهم من مثل هذه اللقاءات.
جدير بالذكر أن أذهان الناس زاخرة بصور المؤتمرات واللقاءات والندوات التي تنتهي بتوصيات ربما تكون كتبت قبل انعقاد اللقاء. وهي توصيات يغلب عليها أنها عامة؛ بعضها ضبابي وبعضها لا علاقة له بالموضوع، وبعضها مبالغ فيه ويصعب تنفيذه؛ وبعضها تنسب فيه الأخطاء إلى مجهول بحيث يفرّق دم الخطأ على عدة جهات فلا ندري من المسؤول عنه. وبالتالي يشعر الناس بأن تلك اللقاءات العلمية تهدف إلى تحقيق أغراض غير معلنة؛ كدعم نشاط الجهة المنظمة أو الحصول على دعم مالي، أو لأغراض دعائية كإشعار المسؤولين بأن هناك عملا جادًا يحصل ويمكن أن تبرزه هذه اللقاءات. علاوة على أنه يتحقق من خلالها حصول المشاركين على «الترقية» العلمية في مجالهم. ولكن الهدف الأساسي المتعلق بخدمة المواطن والاهتمام بمشكلاته يظل مغيبًا عن الواقع.
ويحق لنا أن نتساءل بناء على بعض التجارب المختلفة التي سبقت هذا اللقاء؛ هل هذا الملتقى العلمي هو امتداد لتلك المؤتمرات واللقاءات التي تصرف عليها الملايين ويُجلب لها المحاضرون من مختلف بقاع العالم، ثم تنتهي دون أن يشعر أحد بنتيجتها؟ هل انتهى هذا اللقاء العلمي بمجموعة من التوصيات التي تتعلق بتصحيح الأخطاء الطبية في بلادنا؟ وإن حصل هذا، فهل تلك التوصيات ترقى إلى مستوى المشكلة ومستوى التكاليف المالية المنفقة على الملتقى؟ والسؤال الأهم حول الأخطاء الطبية في السعودية، هو كيف يمكن أن نأخذ حلولا من خارج السياق الثقافي؟ ذلك أن عددا من المشاركين هم من خارج المملكة وربما يخفى عليهم كثير من المعطيات الخاصة بالمجتمع والتي أشرت إليها في مقالة الثلاثاء الماضي. صحيح أن هناك أخطاء تخضع للمهنة، وهذه لابد من الإفادة فيها من المختصين بغض النظر عن علاقتهم أو معرفتهم بثقافاتنا. ولكن الجزء الآخر من الأخطاء الطبية القاتلة عندنا ليس بالضرورة أخطاء مهنية، بل هو أخطاء ناتجة عن الإهمال وسوء الإدارة وضعف الرقابة وانعدام العقوبة وغير ذلك مما يمكن إصلاحه عن طريق تصحيح الوضع الإداري في وزارة الصحة.
ومن الطريف أننا نسمع تصريحات مكثفة لوزارة الصحة في وسائل الإعلام المختلفة عن خطط ومشروعات وحرص شديد على الظهور الإعلامي؛ ولكن في المقابل لا نجد أحدًا من مسؤولي وزارة الصحة يملك الجرأة والصراحة ويعترف بأخطاء وزارته والمشكلات التي تعصف بها إذا استثنينا تصريح الدكتور خالد العيبان وكيل الوزارة السابق للتخطيط وهو تصريح يسعى إلى معالجة المشكلات بصدق، ويبدو أن ذلك النوع من التصريحات يمثل صاحبه دون أن يمثل سياسة الوزارة. ذلك أننا لم نسمع تصريحات أخرى من سواه عن تدهور الوضع الصحي في بلادنا، كما أن الدكتور العيبان لم يعد في الوزارة بعد ذلك التصريح الذي كشف جانبًا من الخلل الإداري داخل أروقة الوزارة.
وفي المقابل فقد نشرت إحدى الصحف في 12 يونيو 2006م رأيًا جريئا لأحد المعنيين بالصحة وهو الدكتور توفيق خوجة، المدير التنفيذي لمجلس وزراء الصحة لدول مجلس التعاون، الذي أكد «أن جميع الدراسات أثبتت أن معظم أسباب الأخطاء الطبية والدوائية تحدث بسبب النظام، سواء بعدم وضوحه أو تعقيداته». وطالب بمضاعفة العقوبات ومراجعة الأنظمة في مجال الأخطاء الطبية والدوائية لتكون أكثر ردعا للحد من نسبة الأخطاء الطبية. وذكر «أن كل خطأ طبي هو فحشاء ومنكر وسوف يحاسب كل طبيب على ما يقوم به تجاه المريض». ولو قارنا هذا التصريح بتصريحات مسؤولي وزارة الصحة عندنا لوجدنا الحرص على محاولة إظهار المشكلات على أنها حالات فردية، أو أن الوزارة مهتمة فيها، أو أن الوزارة ستحقق في القضية. ولو زاد التصريح قليلا لكشف خللا أكثر إما بكشفه عن عدم الاكتراث بالمشكلة أو بالتناقض في المعلومات أو إيراد معلومات معينة في غير محلها والاستشهاد بها على قضية أخرى بهدف تسكيت صوت المواطن المقهور.
ومن هنا يتساءل الناس عن مدى حرص الوزارة نفسها على صحتهم مادامت لاتولي مشكلاتهم عناية واضحة. فقد ذكر أكثر من معلق على موضوع كتب في هذه الزاوية عن «هوان حياتنا على وزارة الصحة» بأن الناس صارت تشعر بخوف من الذهاب إلى المستشفيات، وربما يلجأ المرضى للذهاب إلى العطارين خشية من أن تكون نهايتهم في مستشفى من المستشفيات الحكومية أو الأهلية التابعة لوزارة الصحة.
hujailan@alriyadh.com