المواطنة بين تأصيل الطائفة.. ورفض القومية
في دول كثيرة تبقى الأقليات الدينية، والقومية مثار جدل وشك في إخلاصهم الوطني، وقد كانت في الوطن العربي علامة بارزة، وطبيعة المشكلة لم تنشأ إلا بعد خروج الكثير من الدول العربية من الاستعمار الغربي، والذي كانت سياساته تذهب لتوظيف تلك الأقليات في مصالحها الأمنية والسياسية، وحتى بعد خروجها جعلت المشكلة أكبر، وقد شهدنا هذا الأمر يحدث في جنوب أفريقيا بين البيض العنصريين، والأغلبية السوداء، لكن مانديلا، الذي يشبه المهاتما غاندي، هو من أعلن البُعد عن هذا الصراع لأن الوطن يتسع للجميع، ولا بد من نسيان تلك التصرفات، وإزاحتها للماضي..
في الدول العربية، لا يوجد بلد ليس فيه عوامل إثارة النزاعات، حتى إن بعض الحكومات جعلتها ضمن أهدافها تيمناً بالدول الاستعمارية، ولهذا السبب تنكسر الجسور بين المواطنين بمجرد ذهاب القوة الباطشة، كما هي حال العراق ودول عربية أخرى، والنتيجة إفلاس كامل لكل الأنظمة القديمة والحديثة، وبروز هذه القضايا والسكوت عليها، في تأصيل ثقافة المجتمع بهذه التفرقة مما أوجد ردود أفعال حادة، لدرجة صار بعضها مؤدلجاً، حين يغيب الولاء للوطن، إلى الطائفة أو القبيلة، والنماذج كثيرة، وإلا كيف نفسر الأدوار المتشابكة في المجتمع العربي، وسهولة مرور أدوات التفجير فيه، وتسعيرها لأي سبب؟
فالعنصر المسيحي مثلاً، ومنذ الحكم العثماني يشعر أنه في محيط إسلامي كبير يريد ابتلاعه وعزله عن الحياة، وحتى في المجتمعات ذات الأغلبية المسيحية بدأت تأخذ منحى يكاد يتقارب مع ذلك التراث بأن تفجرت حرب لبنان الأهلية لهذا السبب، وكان رد الفعل أكثر حدة حين نما حزب الله في هذه الأجواء، واستطاع مع عناصره المغيبة والمسحوقة بين المسلمين السنة، والمسيحيين أن يكون القوة الأولى لكنه يبقى ملتبس الولاء بين الطائفة، والوطن، وإن كان السبب المباشر في تحرير الجنوب اللبناني، وطرحه موضوع تحرير الأرض الذي فجَّر الحرب الأخيرة، والتي لم تقوّم بشكل دقيق إلا بعد هدوء كل العواصف..
وإذا كان الدمج التعسفي فشل في ضم دول، وقوميات وأديان، واستعمال أساليب التهجير والقوة الرادعة في عصر الاتحاد السوفياتي، فإنه فشل في الوطن العربي، مع الأكراد، والأمازيغ، إلا بالاعتراف بتراثهم وخصوصيتهم دون نزع المواطنة عنهم، وقد ينسحب هذا الواقع على السودان، ولذلك أصبح الوطن العربي مصدراً للحروب والأزمات ودخول القوى الدولية التي تعلن رعايتها حقوق الإنسان، وحماية تلك الأقليات، ومنع أي تفريق بين دين وقومية ومذهب..
إذن الموضوع خرج من مفهومه الداخلي إلى التدويل، يساعد على هذا الأمر هشاشة الأوضاع العربية وعدم قدرتها على جعل السلم الوطني أساس الأمن والتعايش، وما لم تتغير الأفكار والأهداف، فسنبقى فريسة هذه الأوضاع وتفجرها..