لوس أنجيلوس (أ. ب) من دافيد جيرمين:
يمكن للمشاريع السينمائية المنطلقة من العاطفة أن تكون عظيمة، غير أن الحب غالباً أعمى كما في الحياة.
خذ مثلاً أندي غارسيا الذي يؤدي نجومية أول فيلم من إخراجه واسمه «المدينة الضائعة» القصة التي تمنى طيلة عشرين سنة أن يرويها عن وطنه الأصلي.
كان هناك فيلم أخاذ يجب أن يروى في يوميات غارسيا عن عائلة سائرة إلى التفكك وثقافة وهاجة يخف بريقها في غمرة الثورة الكوبية. وتظهر إمكانات التوقد في أرجاء هذه الدراما الطويلة جداً، غير أن غارسيا احتاج أيادي وعيون مرشدة أفضل من غرفة المونتاج من أجل إلغاء أجزاء تغرق القصة.
هناك مشاهد وحشية تفطر القلب عندما تنتقل هافانا المرحة من قسوة حكومة واحدة إلى القمع الذي تمارسه حكومة أخرى. وهناك لحظات مؤثرة من الاخاء والتنازع عندما يختار أشقاء بين اعتناق الثورة أو البقاء محايدين. وهناك مشاهد رقيقة من الحب المتأجج وسط خلفية من الفوضى.
غير أن النقاط الرئيسية تغرق في مشاهد طويلة من الدراما الناعسة والركيكة والوصلات المتكررة والمرهقة للمونتاج الموسيقي والتي لاتكف أن تطالعك إلى حد تفكر أن الثورة جرت على إيقاع الكونغا وقر قرعة الكاستانيت.
أحداث رواية «المدينة الضائعة» التي كتبها الروائي الكوبي غويلر مو كابريرا انفانتي، أحد أكبر نقاد فيديل كاسترو والذي توفي في السنة الماضية، تدور بمعظمها داخل ملهى ليلي فخم في هافانا قبيل وبعيد وصول كاسترو إلى السلطة.
ومع أن الفيلم ليس اقتباساً من رواية انفانتي الأخرى «ثلاث نمورمحبوسة» التي تدور حول حياة الليل الحيوية في كوبا ماقبل كاسترو، إلا أن غارسيا جاءه الإلهام من روحية الكتاب، وقد طور القصة من خلال دردشاته مع المؤلف.
ويلعب غارسيا دور فيكوفيلوف، وهو صاحب ملهيي في هافانا لايوازي حبه للموسيقي سوى لامبالاته التامة بالاضطرابات السياسية التي تعصف ببلده في أواخر الخمسينات الماضية.
وشقيقا فيكو (نيستور كاربونيل وإنريكي مورسيانو) هما مسألة أخرى، فهما يتصادمان مع فيكو ويحطمان قلب والدهما (توماس ميليان) وعمهما (ريتشارد برادفورد) عندما يحملان السلاح من أجل الإطاحة بالرئيس فولجنسيو باتيستا.
وتقحم القصة علاقة غرامية تبدو مصطنعة بين فيكو مع زوجة شقيقه (تلعب الدور إينيس ساستري) الجميلة ولكن البليدة، كامرأة تنجرف تدريجياً في النظام الجديد بقيادة كاسترو وتشي غيفارا.
ويوفر داستن هوفمان حضوراً آسراً ولكن قصيراً في دور زعيم المافيا ماير لانسكي الذي يخفي قسوته وراء قناع التهذيب، والذي يحاول أن يفرض على فيكو شراكة في أعماله.
وتفرض شخصية فيكو تعاطفاً طيلة القصة، ولكن أداء غارسيا للدور فيه الكثير من الرتابة رغم كل الخسارة والصعوبات التي يتعرض لها الرجل. إن الهدوء المستديم لايتناسب مع الدراما العظيمة. وبما أن غارسيا نادراً ما يخرج عن طوره في مظهره الخارجي الجامد، لايرى الجمهور سوى لمحات من الاضطراب الذي لابد أنه يعانيه من الداخل.
ويقدم بيل مري، في دور صديق فيكو الغريب والثمل على الدوام والمعروف فقط باسم «الكاتب» بعض اللحظات الهزلية للقصة الثقيلة التي تحتاج فعلاً إلى بعض المرح.
شخصية مري هذه تحضر وتغيب عن المشاهد بصورة عشوائية تقريباً ولاتخدم أي غرض سوى توفير شخص للفيلم لايلوح بيديه أو يرفع قبضته في فورة غضب. إنه أشبه بصديق متخيل لفيكو وكمفارقة سوريالية في قصة مبعثرة تدور أصلاً في عدة اتجاهات.
إنما هناك للفيلم بريقاً يتمثل في إعادة تخليق هافانا الخمسينات بشكل رائع. ويقدم الفيلم الذي تم تصويره في جمهورية الدومينيكان صورة محببة لمدينة طافحة بالفن والاستمتاع والمرح، ثم تفقد تدريجياً نكهتها الخاصة في ظل الإدارة الشيوعية الجديدة.
وإضافة إلى لحن كتيه غارسيا بنفسه يضم «فيلم المدينة الضائعة» حوالي 40 قطعة من الموسيقى الكوبية التقليدية. ويشير غارسيا إلى أنه أراد أن تكون الموسيقى عنصراً محورياً في الفيلم، ولكن بناءً على مايحدث في مزيح الصور والشخصيات غير المترابطة، جاءت القطع الموسيقية التي اختار لتطغى على كل شيء من حيث كميتها.
فليست هناك أغنية أو أداء موسيقي واحد بارز في اللهجة الموسيقية الطاغية، وحبذا لو أن غارسيا قد خفف قليلاً من القصف الموسيقي فالزائد أخو الناقص هنا. ولعل هذا ينطبق أيضاً على عنوان الفيلم. فغارسيا أراد أن يقدم صورة ولكنه صنع لوحة جدارية ذات أوجه كثيرة تتتافس على جذب الأنظار إلى حد أن المدينة تضيع في زخم المشاهد.
الفيلم من توزيع ماغنوليا بيكتشرز. ويستغرق عرضه 144 دقيقة.