القمر المستهلك.. هل لازال ملهم الشعراء والعشاق؟
عندما يرسل القمر أشعته الفضية لايعلم كم من مغرم بهذا الضوء الذي يتغلغل في نفوسنا وكم من قائم يناجيه ويشكو اليه.. له سحر خاص على من يشاهده ويتأمله.. فالشعراء يترنمون بأناشيده والعشاق يخاطبونه معاتبين من خلاله معشوقاتهم.. وكذلك المبدعون من رسامين بالريشة والقلم يجذبهم ويثير فضولهم كنه هذا المخلوق الذي يحاكي دواخلهم وهو صامت. ما الذي تبقى من القمر بعد أن استهلكه الشعراء والعشاق؟
سؤال طرحته (ثقافة اليوم) على عدد من المبدعين من كتاب وشعراء:
يقول الشاعر يحيى الحكمي:
للقمَر ولَهٌ خاص لكل روحٍ لوَّعتها المشاعر، وشجاها البُعْد، ورواها الجمال.. نغنى له فنسمو ونفرح وكأنما يغني لنا.. نشاطره النوى في لموعه، وخفوته، ويشاطرنا الحب في وجعنا الروحي، وهو في ليالي الصيف أندى بشاشة.. وأرق حبيب..
يعني لي القمَر كل شيء.. يعني لي الصفاء.. لما يفترش قلبي بنوره الوضيء البهي.. يعني ليَ الفراق حين يملأ دفء عيني.. روضاً منتشيا.. ولآت حين لقاء.. يعني لي الحياء حين يغضي عني تحت سحابةٍ نديَّةٍ نعساء..
القمر في ليالي الصيف... يُعانقُ الروابي بجماله.. ويكسو الفضاء بكماله...
القاص والأديب: علي بن حسين الزهراني
عضو اللجنة الإعلامية بنادي الباحه الأدبي فقال:
للإجابة على السؤال فإننا نحتاج إلى معرفة كنه القمر بمعناه المعنوي والمحسوس! ولكن لابأس..
القمر كم غني له كثيرا وأصبح المعيار الحقيقي لمعرفة معادن البشر الداخلية والخارجية فهناك فرق بين القمر وخبايا البشر فقمرنا عال صعب الوصول إليه وهنا يكمن سر تألقه وألقه معاً..
قديما كان القمر يشكل ظاهرة تستحق الوقوف عليها كثيرا فكانوا عندما يسافر الأحباب يذهبون في قمم الجبال في الليالي المقمرة يناجون الأقمار علهم بنداءاتهم يسمعون ردا من أحبابهم أو يوصل القمر برسائلهم ونجواهم.
أما القمر الآن... فاسمحي لي لم يعد له ذلك التوهج من خلال ثورة المشاعر وأبخرة الحروف!
طبعا أنا لا أدعي تكويناته الطبيعية من البارئ عز وجل - لكنه من حيث اختلال الموازين وطيشان الكلمات وسقوط الأحرف.
أصبح القمر لا يعني للشعراء شيئا بل على العكس هجروه من غير رجعة سوى بعض النتف في ثنايا أساليبهم والبعض منهم يأتي به سخرية بالأنثى!
حتى الكتاب أو من يدعي الحرفة بها أصبح القمر عندهم مجرد دائرة التمام بدرا أو يقحموه «ظلما وعدوانا» مع سبق الإصرار والترصد في كتاباتهم الباهتة والتي بمجرد البحث في الكيبورد من خلال التخزين يأتي بمواضيع عفا عليها الزمن وأكل وشرب؟! - البعض طبعا - لم ينصفه سوى ثلة جميلة المحيا هم التشكيليون
فعندما يرسمون بإبداعاتهم يعود ذاك البريق للقمر ونتذكر عهده الماضي ونستشرفه للحاضر ويصبح حضوره في كل المواسم قمرا كما عهدنا ونظن أننا نعرفه.
أما الشاعر ياسر بن صالح الدوسري عضو نادي القصيم الأدبي.. فشاركنا بهذه المناجاة للقمر قال فيها:
هدئ الظلمة قل لي من أكون
يا ضياء كان يهديني السكون
لن أناجيك بأيامي الخوالي
بل تناجيني بأحلام الغصون
هات ما عندك قمري الليالي
في فؤادي أنت في وسط العيون
ربما تذكر جيلا كان رمزا
للمعالي كان نبراس السنون
ربما تذكر أياما تولت
كانت الفخر لنا وسط السنون
يا ضياء الروح قمري المعاني
أصدق القول وقل لي من أكون
أما الأديب علي مغاوي فيقول:
قبل أن تتلفع الأمكنة بالأضواء وفوضى المدينة، كانت السماء ملاذاً مسائياً يستهوي المحبين، فتنتشر الأسئلة عيونا تحدق بانتظار إطلالة تؤنس المكان وتبدد عتمة القلب..
القمر الذي أثار غيرة الصبايا بوشايات التشبيه التي استمرت دونه حتى تمرد عليه الشاعر القائل:
البدر يكمل كل شهر مرة
وهلال وجهك كل يوم كامل
الليالي المقمرة مغرية بمزيد من الفرح والمسامرة.. اندثرت تفاصيلها لحساب صخب الأضواء بعد أن تشرد الهدوء على أرصفة المدن وبعد أن تسابقنا باتجاه التنكر لواقع حياة القناعة المتكافئة نحو هذه المزايدة على الممكن.. وقتها أصبح القمر كوكباً من حجر مسموم وغازات قاتلة مثلما قتلنا الحب كما قتلنا نحن الحياة..
وقالت الشاعرة أحلام القحطاني:
إضاءة: وبقيتُ وحدي في ذلك الظلام.. في ليلةِ صيفٍ أحاكي ذلك القمر الذي غيّبته الغيوم..، فما عرفتُ لذّة الشجن.. وجمال السّهر.. إلا بعد أن أضاء القمر..
وغابَ القمرْ..
وغابتْ لُحوني.. وتلكَ الصُّورْ..
فكيفَ يطيبُ لنبضي الحديثُ؟!
وكيف يطيبُ لقلبي السَّمرْ؟!
وكيف أعيشُ بريق التجلّي؟!
وأحظى بذاكَ الخيال العَبِر؟!
فما عادَ ذاكَ الخفوقُ يغنّي..
وماعادَ حُلمي بريدُ التّمنِّي..
وما عدتُ أهوى جنون السَّهرْ..
٭٭٭
بربّك قلْ لي..
أما قد سئمتَ سوادَ الظلام؟!
وبردَ الكلام؟!
وحزنَ المعنّى..
بذاك المُلام؟!
أأحببتَ يومًا غموضَ الغيوم..؟!
وركضَ الحروفِ بدونِ مَطَرْ؟!
أنا ما عَشِقْتُ سواكَ انهمار..
أَلا فانهمرْ..
٭٭٭
فما كنتُ أدري بأن الحروفَ..
تضيءُ إذا ما أضاءَ القمرْ..