أدب الرحلة والرحلات أدب عرف به العرب قديماً فأصبح ادباً مستقلاً وفناً له ضوابطه وشروطه ولعل اول رحلة قديمة وصلت الينا هي رحلة احمد بن فضلان رحمه الله ورحلة التاجر سليمان اللذين دونا ماشاهدا في قارة آسيا وخصوصاً ما وراء النهرين ثم بعد ذلك توالت الرحلات في قارات الأرض القديمة او العالم القديم واقصد الرحالة المسلمين ولعل من فوائد الرحلات والمغامرة في اكتشاف الجديد والبحث عن الغرائب والعجايب هو الداعي الى ان تكتشف امريكا الجنوبية ثم امريكا الشمالية ثم آخر اكتشاف للقارة السابعة استراليا للمكتشف الانجليزي كوك. ورحلة ابن بطوطة رحمه الله هي من اشهر الرحلات العالمية وقد ترجمت الى اكثر من لغة واعجب بها الغرب ايما اعجاب وقد استمرت رحلته هذه في الشرق والغرب اكثر من 22 سنة وتزوج 72 مرة وانجب 23 ذكراً وبنتاً في كل بلد يحل فيها يتزوج وقد اكثر من واحدة ويجمع بينهن كما حدث له في الهند وجزر الملديف فقد تزوج أربع زوجات. هؤلاء الرحالة يكتبون ما يشاهدونه وكل على حسب ميوله فهذا يهتم بالعمارة والاسواق والمساجد والكنائس والمعابد وذاك يسجل العادات في الافراح والاتراح ويلقط كل صغيرة وكبيرة في المجتمع ومنهم الموجز في رحلته وآخرون دققوا وشرحوا كل شيء. وبين يدي قصيدة نبطية كتب فيها شاعرنا رحلته التي جاب فيها قارة آسيا وافريقيا وليس طبعاً كل بلاد آسيا وافريقيا بل الشرق الادنى من قارة آسيا وما وراء النهرين واما في افريقيا بلاد السودان ومصر واثيوبيا والصومال وزنجبار. وصاحب القصيدة هو الشيخ والاديب صالح بن عبدالرحمن الدويش من مواليد الزلفي سنة 1290ه وقيل 1291ه كما ذكر ذلك الأستاذ محمد القاضي في كتابه الروضة ج2 قرأ على علماء بلدته وخصوصاً قاضي البلدة الشيخ عبدالرزاق المطوع ثم اتجه الى القصيم وقرأ على علماء ال سليم ولازمهم سنين وكانت سنه انذاك عندما استقر ببريدة لطلب العلم عشرين سنة ثم رحل الى الحجاز وقرأ على الشيخ المحدث العالي صاحب الأسانيد شعيب الدوكالي المغربي رحمه الله اخذ عنه الحديث ثم رحل الى الهند وقرأ واستفاد من الشيخ نذير حسين وحدث الهند والشيخ نذير ممن اخذ عنه الكثير من علماء نجد ثم انه كما تعود على التنقل في طلب العلم اكسبته هذه الرحلات فن التجارة في جميع البلدان التي زارها وزوال التجارة يقول الشيخ صالح بن سليمان العمري ت 1411ه رحمه الله في ترجمته للشيخ صالح في كتابه علماء ال سليم وتلامذتهم ج2 ص ,261. ثم رحل الى كثير من الاقفار طلباً للرزق وسعياً في الأرض وكان يخالط العلماء وطلبة العلم فيفيد ويستفيد انتهى. قصيدته هذه اوردها شيخ الرواية الشعبية الأستاذ محمد بن عبدالرحمن بن يحيى ت - 1414ه رحمه الله في المجلد الثاني من مخطوطته لباب الافكار في غرائب الاشعار في 22 بيتاً والشيخ عبدالله بن خميس في كتابه تاريخ اليمامة ج5 اورد منها 18 بيتاً مع ان الشيخ ابن خميس لديه المخطوطة الاصلية مخطوطة ابن يحيى وكانت هذه المخطوطة قد اشتراها احد شيوخ آل ثاني المهتمين بالتراث من ابن يحيى رحمه الله ثم ان الشيخ ابن خميس كان في زيارة لدولة قطر واستضاف هذا الشيخ مع مجموعة من الادباء السعوديين وكل اعطاه هدية تناسب ميوله البحثية والادبية فأهدى ابن خميس مجموعة ابن يحيى ومنها انتشرت صور النسخة لدى الناس والباحثين بالأخص. فما ادري لماذا لم يدونها كاملة!! الشيخ عبدالله بن بسام ت 1423ه رحمه الله اورد القصيدة في ترجمته للشيخ صالح الدويش والقصيدة اخذها ابن بسام رواية ومشافهة من راوية الزلفي الشيخ محمد بن ابراهيم بن معتق 1395ه رحمه الله كما ذكر ذلك ابن بسام انه اخذ اكثر هذه المعلومات عن الشيخ صالح من ابن معتق لكن ابن بسام لم يذكر القصيدة كاملة بل ذكر ثمانية ابيات فقط ومن المستبعد ان الراوية ابن معتق لا يحفظ الا ثمانية ابيات من القصيدة لان ابن معتق اخذ القصيدة من صاحب القصيدة صالح مشافهة لان كلاً منهما ابن بلدة واحدة واستفاد كل من الآخر وليس من المستبعد ان يكون ابن يحيى قد اخذ القصيدة من الراوية ابن معتق رحم الله الجميع.
ابن بسام ذكر كما قلت ثمانية ابيات فقط بدون ترتيب ولم يبدأها من اولها بل اقتطع منها هذه الثمانية الابيات بل ذكر البيت السادس ثم يليه البيت الثامن ثم العاشر ثم يليه الثاني عشر ثم يليه البيت السابع ثم الثالث عشر ثم الخامس عشر وختمها بالبيت السابع عشر فهذا للاسف مما يربك انتظام القصيدة وتسلسل الافكار في اسلوب ومضمون القصيدة لان الشاعر رتب القصيدة حسب ما يريد توصيل المعنى الذي قصده ومقدمات لها نتائج في الابيات اما هذا الاضطراب في القصيدة فهو لا يخدم القصيدة بل يسيء اليها رحم الله البسام وعفا عنه. الأستاذ والاديب محمد بن عثمان القاضي ترجم للشيخ صالح الدويش في الجزء الاول من كتابه الروضة الجزء الاول ثم كرر الترجمة في الجزء الثالث من نفس الكتاب الا انه اورد ثلاثة ابيات من قصيدة الدويش الاول والثاني صحيحان ثم قفز الى البيت السادس عشر وابدل الشطر الثاني للبيت السادس عشر ووضع محله الشطر الثاني من البيت السابع عشر حيث اورده هكذا:
ندمت على ما فرطت في مهلها
وتدراكي من قبل قصاف الآجال
وصحة البيت كما في مخطوطة ابن يحيى ورواية منديل وعند ابن خميس في معجم اليمامة ج 5 :-
ندمت على ما فرطت في مهلها
بتضييع الشبيبة بالأهمال
اما الشطر الثاني الذي اورده القاضي خطأ فمحله الصحيح في البيت السابع عشر حسب رواية ابن يحيى وتصحيح الراوية منديل الفهيد وهو هكذا:-
وتاقت لما يصلح بقية عملها
تدراكه من قبل قباض الآجال
هذه القصيدة عرضها النسابة الاديب ناصر العليوي وهو رجل ذو عناية بالتاريخ في الجزيرة العربية وانساب قبائلها واخبارها وهو من اهل الزلفي بلد شاعرنا صالح، اقول عرضها على الراوية منديل الفهيد رحمه الله ت - 1425ه وقد صحح القصيدة بحيث انه رأى بعض الابيات انها مكسورة فأبدلها بكلمات أخرى كما في هذا البيت برواية ابن يحيى رحمه الله:
طفت سوريا شعبها مع نزلها
للبهر نساء فيها تصاوير الأهوال
أبدل منديل بدل طفت بكلمة مع سوريا بجبالها مع سهلها فيرى منديل ان البيت على حالته الأولى فيه انكسار طبعاً الانكسار لم يأتي من قبل الشاعر لأن الشيخ صالح متمكن من العروض ويعرف الوزن انما أتى الانكسار من قبل ابن يحيى رحمه الله لان ابن يحيى احياناً يكتب القصيدة كما هي ولا يشعر بالكسر في البيت رحمه الله مع اعترافنا لابن يحيى رحمه الله بأنه احد ائمة الادب الشعبي ومن شيوخ الرواية المحلية وجهوده واضحة في اثراء الادب المحلي. وهذا ليس اكتشافاً مني بل قد ذكره د. سعد الصويان في كتابه الشعر النبطي ذائقة الشعب ص 198 السطر التاسع عشر - وكذلك قبله الراوية ابراهيم اليوسف الذي حدثني بهذا الخطأ عن ابن يحيى فيما بعد.
في البيت العاشر برواية ابن يحيى:
من أسمر التحضرا وعالي جبلها
وكل شيء بخط الأستواء درناه من عال
صحيح منديل الشطر الثاني: هكذا
«ودرنا بخط الاستواء رأس من عال» وهو تصحيح لا يغير المعنى لاجل استقامة البيت، او الشطر البيت الحادي عشر برواية ابن يحيى:
ورا بلد هابيل جنكل اهلها
ثابرت فيها عند سواس الافيال
صحح منديل الشطر الأول:
ورا بلد هابيل ودلها
وانا ارى عدم التصحيح لان البيت لم ينكسر.
البيت التاسع برواية ابن يحيى هكذا:
باسمك جرت لافي تصاريف اهلها
وانجيتهم فيها من الغم واهوال
صحح منديل الشطر الاول على النحو التالي:
باسمك جرت لافي تصرف حيلها
البيت الأخير برواية ابن يحيى على هذا النحو:
يامن له الدنيا والآخرة واهلها
لكل عبد عاني الوجه لك ذال
صحح منديل رحمه الله الشطر هكذا
يامن له الدنيا ومع أخراه وهلها
هذه هي تصحيحات الراوية منديل الفهيد من النسابة المؤرخ ناصر العليوي حفظه الله وسوف نعود الى القصيدة مرة اخرى