د. أحمد بن محمد العيسى
الشعوب العربية والإسلامية مع الأسف الشديد غارقة إلى أذنيها في التفسير التآمري والديني للصراع. وعلى الرغم من أن هناك شعوباً أوروبية وإفريقية وآسيوية قد تفرغت للبناء والعمل وفق السياق الاستراتيجي العالمي ولم تنابز وتحاول الوقوف أمام الترتيبات الدولية العالمية
توقفت الحرب في لبنان بعد حوالي ثلاثين يوماً من القتال والاعتداءات الإسرائيلية، وكانت نتائجها كارثية بحق المدنيين والبنية التحتية، أما نتائجها السياسية فإن كثيراً منها لم يظهر بعد وإن كان الحل السياسي الذي تمثل في قرار مجلس الأمن 1701 ينبئ بكثير من التداعيات والمفاجآت التي ستؤثر على مستقبل المنطقة بكاملها. المزايدات السياسية بدأت بعيد توقف الحرب، والفرقاء السياسيون في المنطقة يريدون الاستفادة من الأزمة كل حسب موقعه أو تحليله لمن كانت الغلبة أو من كانت خسائره أقل. المزايدات السياسية لن تقدم أو تؤخر في مجريات الأحداث القادمة، لأن القضية أصبحت قضية اللاعبين الكبار، وتجري ضمن المخطط الاستراتيجي لإعادة ترتيب المنطقة في أعاقب الحرب الباردة وتنظيفها من بؤر التطرف والإرهاب... تطرف الحكومات وإرهاب المنظمات..
في منطقة عريقة ومعقدة كمنطقة الشرق الأوسط تموج بتباينات واختلافات تمتد إلى التاريخ والجغرافيا والسياسة والثقافة، فإن الترتيب المتوقع يمر بأزمة مخاض عسيرة ولن تكون بالتأكيد مرضية لهذا الطرف أو ذاك، ولن تتأثر بمعايير العدالة والحقوق التي يتبناها هذا الطرف أو ذاك، وإنما ستسير وفق معايير لها علاقة بموازين القوة العسكرية والاقتصادية والسياسية في المنطقة وبمؤثرات التحالفات الدولية، وستسير وفق قدرة الأطراف ذات العلاقة على الفهم الاستراتيجي لهذه الأحداث، ومن ثم التصرف والتعامل وفق هذا الفهم بعقلانية وهدوء وصبر ومبادرات وتحالفات حتى يمكن مواجهة هذا الترتيب الجديد ليحقق على الأقل الحد الأدنى من المطالبات ومن الحقوق ومن العدالة..
إذن نحن أمام ركام من المزايدات السياسية والصحفية لما جرى في الشهر الماضي وأمام تحليل سياسي قصير المدى لتداعيات الحدث ونتائجه المباشرة، وقصور في التحليل الاستراتيجي للأزمة الذي يضع الحدث في مكانه الصحيح ويربطه بالتطور والفكر السياسي والاقتصادي والاستراتيجي الذي يجري على مستوى العالم وفي نفس الوقت يستطيع أن يرسم سيناريوهات محتملة لوضع المنطقة وأمنها واستقرارها خلال الخمسين عاماً القادمة.
إن غياب الرؤية الاستراتيجية للأزمة لدى صناع القرار والمخططين السياسيين وتقديمها بصورة مبسطة وواضحة ومقنعة للرأي العام العربي هو الذي يؤدي إلى انفصام شبه تام بين محترفي السياسة وصنّاع القرار، وبين موجهي الرأي العام في وسائل الإعلام المختلفة، فما نسمعه هذه الأيام من الصحفيين والإعلاميين من تحليل يوضح أن الفكر السياسي العربي هو فكر آني ينظر إلى الأحداث من زاوية قصيرة، وهو في نفس الوقت لا يقنع الرأي العام العربي والإسلامي الذي يسيطر عليه فكر استراتيجي غير واقعي وغير عقلاني مبني على تفسيرات تاريخية للصراع بين الشرق والغرب أو بين الإسلام والمسيحية، وهو تفسير يعتمد بشكل أساسي على نظرية المؤامرة وصراع الحضارات.
ولعل القارئ الكريم يعرف أن غياب التحليل الاستراتيجي للأحداث التي تحصل ولكيفية التعامل معها سببه غياب مؤسسات البحوث والدراسات الاستراتيجية في العالم العربي، أو لنقل ضعفها وضعف إمكاناتها البشرية القادرة على التحليل والتفكير والدراسة والبحث وهذا كله نتاج ضعف برامج التعليم والتدريب وهجرة العقول المبدعة وكذلك نتاج ضعف الحرية الفكرية والسياسية في العالم العربي إلى غير ذلك من الأسباب التي يمكن القول إنها سلسلة لا تنتهي من الإخفاقات والعجز والتخلف العلمي والحضاري.
التحليل الاستراتيجي للأزمة التي مرت بلبنان وبالمنطقة خلال الشهر الفائت لا يفصل الأزمة عن سياقها التاريخي والسياسي المعاصر والتطورات التي حصلت في العالم والمنطقة خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية وانتهاء الصراعات العسكرية العالمية بتأسيس عصبة الأمم، ومن ثم هيئة الأمم المتحدة مع بقاء صراعات عسكرية إقليمية هنا وهناك نتيجة الخلل في دور الأمم المتحدة في فترة الحرب الباردة التي امتدت منذ عام 1945 إلى 1992م بسقوط جدار برلين ومن ثم سقوط الاتحاد السوفياتي. وبعد انتهاء الحرب الباردة وسيطرة الولايات المتحدة الأمريكية على الساحة الدولية، جاءت فترة إعادة ترتيب المناطق الأكثر سخونة والأكثر اضطراباً والأكثر أهمية تباعاً، فجاءت منطقة الشرق الأوسط على قائمة المناطق الأكثر تعقيداً والتي تحتاج إلى عمليات قيصرية لإزالة الأنظمة الأكثر راديكالية والتي لم تستطع التكيف مع المتغيرات الدولية، فاعتبرت من مخلفات الحرب الباردة، فكان نظام صدام حسين في العراق في أول القائمة، ويأتي النظامان السوري والإيراني بعد ذلك، ولا يُستبعد نظاما السودان وليبيا من المعادلة على الرغم من الجهود التي بذلها قادة البلدين لإعادة تكييف دورهما ضمن منظومة النظام العالمي الجديد.
التحليل الاستراتيجي لا يستبعد أيضاً بُعد المنظمات الإرهابية أو المنظمات التي تطلق على نفسها منظمات المقاومة والتحرير - بغض النظر عن الأسماء - لأن ما حدث في الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 كان حدثاً استثنائياً بكل المقاييس لخبط أوراق إعادة ترتيب المنطقة العربية والإسلامية، ونقل المعركة من بعدها السياسي والاستراتيجي المرحلي إلى بعد آخر، وهو الصراع الحضاري والديني، فاستُدرج السياسيون والعسكريون إلى مجال ليس مجالهم ولا خبرة لهم فيه، فكان أن رأينا العجب في التصريحات والمواقف السياسية التي يطلقها السياسيون ويتبنون فيها مواقف أو آراء أو تصريحات تعتمد على البعد الديني وهم لا يدركون مغزاها أو أبعادها الفلسفية والفكرية.
ما حدث في لبنان إذن لا يخرج عن هذا الإطار وما المبادرة التي اتخذها حزب الله باختطاف الجنديين وافتعال الأزمة إلا محاولة لفك الاختناق عن تلك الأنظمة البائدة التي تحاول أن تعيد العجلة إلى الوراء وتلخبط عملية إعادة ترتيب المنطقة والعالم إلى أفق جديد. هذه الأزمة وجد فيها الطرف الآخر فرصة لممارسة مزيد من الضغط وفرصة لحلحلة الوضع القائم ودفعه إلى مزيد التأزم في انتظار سقوط تلك الأنظمة من الداخل أو على الأقل زيادة عزلتها الدولية إلى أن تحين فرص أخرى أقل كلفة لإزاحة النظامين بصورة نهائية من المشهد السياسي في المنطقة.
إذن وحسب هذا التحليل، فإن المسألة ليست صراعاً عقائدياً أو دينياً أو أيديولوجياً كما يرغب كثير من المفكرين العرب القوميين والإسلاميين، وكذلك بعض المفكرين الغربيين إقناع الشعوب العربية به لجرهم إلى صراع غير متكافئ وغير متوازن ونتائجه معروفة سلفاً. إنها ببساطة مرحلة تاريخية تعبِّر فيها الأمم التي تمتلك القوة الاقتصادية والسياسية والعسكرية عن قوتها بالبحث عن مصالح على الساحة الدولية ترى أنها تستحق أن تكون لها الكلمة الفصل فيها. وهذا تعبير عن حركة التاريخ وسياقه المنهجي، فكل قوة عسكرية وسياسية واقتصادية على مر الزمان كانت تفرض شروطها ورؤيتها الاستراتيجية على الأمم الأخرى وبالقدر الذي يصل إليها نفوذها، وقد رأينا ذلك في التاريخ الإسلامي عندما فرضت الدولة الأموية ثم العباسية ثم العثمانية منطقها ورؤيتها على كافة المناطق والنفوذ التي وصلت إليها قوتها العسكرية والسياسية. ورأينا ذلك عند الأمم الأخرى فكانت الإمبراطورية الرومانية في العصور القديمة وفرنسا وألمانيا ثم بريطانيا العظمى في وقت متأخر. وأخيراً رأينا الصراع على النفوذ بين قوة الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة والمعسكر الذي تحالف معها في أوروبا الغربية، إلى أن انتصر المعسكر الغربي فكان لا بد أن يفرض شروطه ومنطقه على العالم كله، لأن قوته ونفوذه أصبحت بفضل التكنولوجيا والعلم تصل إلى كافة أركان المعمورة.
إذا كان هذا التحليل محتملاً ومقبولاً، فالسؤال الذي يطرح نفسه هل تعي الأنظمة والشعوب في المنطقة بهذا السياق؟ وإذا كان الجواب بالإيجاب فما هو المطلوب منها؟ أحسب أن القيادات العربية والإسلامية تتفاوت في مدى عمق التحليل الذي يصلها من الخبراء والمستشارين حول علاقة كل أزمة تمر بالمنطقة بالسياق الاستراتيجي والتاريخي لموازين القوى في العالم. ولكن بالتأكيد أن بعض القيادات التي أصبحت أسير خطابها الأيديولوجي العتيق لا تميل إلى هذا التحليل ولا ترغب في سماعه أو تصديقه، لأنها تعرف أن بقاءها مرتبط بديمومة الخطاب السياسي والإعلامي القديم، ولو حاولت تغيير جلدها لخرجت تماماً من السلطة. أما الشعوب العربية والإسلامية فمع الأسف الشديد فإنها غارقة إلى أذنيها في التفسير التآمري والديني للصراع. وعلى الرغم من أن هناك شعوباً أوروبية وإفريقية وآسيوية قد تفرغت للبناء والعمل وفق السياق الاستراتيجي العالمي ولم تنابز وتحاول الوقوف أمام الترتيبات الدولية العالمية، إلا أن شعوب العالم العربي بشكل خاص ظلت أسيرة الوهم بمجد جديد ينبثق من لا شيء.. من العدم، ويغذي هذه الشعوب خطاب إعلامي ديماغوجي وثقافة سياسية متهالكة تتمحور حول الذات والتفوق والماضي وتدعمها مؤسسات فكرية تحظى بإمكانات قوية للتغلغل داخل مناشط الثقافة والفكر ولم تجد من يتحداها ويخرجها من غفوتها وانعزالها الثقافي والفكري عن العالم.