تعد علاقة الرجل بالمرأة من الموضوعات المهمّة التي تقدّم فكرة عن الشخصية وعن الثقافة وما يرتبط بها من قيم تظهر من خلال العادات والتقاليد والأعراف. ولو فكرنا في الطريقة التي ننادي فيها المرأة في بلادنا لوجدنا في ذلك ما يمكن أن يستنبط منه طبيعة العلاقة بين الجنسين وما يحيط بتلك العلاقة من قيم ثقافية قد تكون خاصة بفئة معينة أو بجيل معين وقد تكون لها صفة العموم.
وعند تأمل الطرق المتبعة لمناداة الناس لنسائهم في السوق أو أمام البيت لوجدنا أنهم ينادونهن بعبارات غامضة أو مهينة من مثل: «يا هيش»، أو «يا هيه/ياهوه»، أو «يا ولد»، أو «يا ناس»، أو «يللي هنا». والطريف أن المرأة تعرف أنها هي المقصودة حتى في «يا ولد» فتأتي بسرعة لكي لا يغضب الزوج من تأخرها فيناديها بألقاب أقبح!. ويلاحظ أن هذه الألفاظ تشترك في استخدام حرف النداء (يا)، وبعضها مثل «هيش» يبدو أنها تتكون من هاء التنبيه وكلمة مثل «شيء» وكأنه يناديها بقوله «يا أي شيء». وهذا تفسير أخفّ من اعتقاد البعض أن هذه الصيغة تستخدم للتعامل مع الماشية ثم نقلت للمرأة. أما المناداة ب«يا ناس» أو «يللي هنا»؛ فهي لإضفاء نوع من التعمية على المقصود بحيث لايعرف السامع من هو. أما صيغة «ياولد» أو «ياعيال»، يبدو أن لها علاقة بالإيحاء بأن المنادى ذكر لكي لايلفت انتباه السامع.
ولابد من التوضيح بأن هذا الأسلوب ليس سائدًا عند الجميع، بل إن ممارسته تقتصر على البعض من الرجال. ومن هنا يرد التساؤل حول علاقة هذا الاستخدام بالمنطقة أو بالطبقة الاجتماعية أو بالمستوى التعليمي أو العمري للرجال، أو بالجوانب النفسية للفرد. كما يرد سؤال عن قيمة المرأة في الثقافة؛ فهل ذلك الاستخدام هو انعكاس لقلة شأنها في المخيلة الشعبية؟ أم أن أهمية المرأة وعظم شأنها هو الذي جعلها تمثل سرّا لايباح به؟
ومما تجدر الإشارة إليه أن المرأة في السابق، عند البعض من جيل الآباء والأجداد، كانت تُنادى في الغالب باسمها الصريح أو كنيتها دون أن يكون في ذلك شعور بالحرج أو الإهانة. ذلك أن اسم المرأة في القرية أو في العشيرة أو في الحي معروف في الغالب من الجميع منذ أن تولد الفتاة. وحينما ينادي الرجل ابنته أو أخته أو أمه أو زوجته أو عمته أو خالته أو غيرهن باسمها أو بالاسم والكنية معًا، فهو لم يقدّم -في الغالب- شيئا جديدا لا يعرفه المحيطون به من الرجال. ولكن حينما هاجر الناس من القرى إلى المدن ولم يعد الجيران يعرفون بعضهم في الحارات، أصبح ذكر اسم المرأة لرجال أجانب -لا يعرفون أفراد العائلة كلها- فيه نوع من الحرج الذي يحسّ به الرجل عند ذكر اسم المرأة التي تخصّه، وكأنه يشعر أنه إفشاء اسم المرأة فيه ابتذال لها أو تعريض بكرامته.
ومما ينبغي ذكره أن مناداة المرأة أو الإحالة إليها عن طريق ذكر اسمها أو كنيتها أو غير ذلك من الألقاب لا يتضمن بالضرورة دلالة واضحة على أن الجيل السابق كان أكثر تحررًا من هذا الجيل الذي يمكن وصفه بشكل عام بأنه جيل محافظ؛ لأن مناداة المرأة باعتباره سلوكا اجتماعيا ينبغي النظر إليه ضمن مجموع السلوك العام الذي يمارسه المجتمع في علاقته بالمرأة. فقد كانت علاقة الرجل في السابق بالمرأة علاقة فوقية، فهو الذي يسمّي ابنته الاسم الذي يريده حتى لو كان قبيحا، وهو الذي يزوجها دون أن تعلم، ويضربها ويعتبر رأيها معيبًا؛ بل إن الثقافة في السابق تنسب سلوك الرجل السلبي إلى أنه نتيجة لتربية المرأة. ومن هنا فإنه يصعب القفز على هذه الحقائق والاعتقاد بأن الجيل السابق أكثر انفتاحا واحترامًا للمرأة لأنهم كانوا ينادونها باسمها الصريح بشكل مباشر.
ولكي نفهم سلوك الجيل الجديد في مناداته للمرأة، يجدر بنا أن نضع بعين الاعتبار الظروف المعيشية الجديدة التي عاشها الناس في المدن؛ فلم يعد إنسان المدينة معروفا لدى الجميع كما هو في القرية، بل إن الجيران قد لايعرفون بعضهم. ولهذا فقد وجد الرجل في المدينة نفسه يتعامل مع غرباء تعرّف عليهم منذ فترة بسيطة؛ ووجد أن ذكر اسم المرأة عند هؤلاء الغرباء غير ضروري لعدم معرفتهم الشخصية بها أصلا، ولهذا فإن أي كنية تحيل إلى المرأة تفي بالغرض. علاوة على وجود إحساس بأن ذكر اسم المرأة عند الرجال فيه نوع من الخصوصية التي لاينبغي اقتسامها.
إن العيش في هذه الظروف اضطرت الرجل إلى الاحتيال في إخفاء اسم المرأة بعدة طرق. ومنها طرق مقبولة ربما بسبب شيوعها كاستخدام الكنية مثلا بأم فلان «الذكر» الذي لا يعاب ذكر اسمه، أو يستخدم العلاقة التي تربطه بها كأن يقول «الأخت» أو «الوالدة» أو «العمة» أو «الخالة» أو «الزوجة» أو «البنت». على أن بعض الرجال يحاول أن يجعل التعريف بالمرأة أكثر غموضا فيتهرب حتى من العلاقة وخاصة فيما يتعلق بالزوجة، فيجعلها تدخل في صنف عام ويسميها «الأهل» لأن كلمة الأهل في السابق تعني الوالدين والإخوة وحتى الأعمام. ولكن اليوم صارت كلمة «الأهل» و«العيال» عند البعض تعني الزوجة. يشار إلى أن البعض يصاب بالتشنج حينما يتعلق الأمر بالمرأة لأسباب قد تبدو فردية كخوفه المتفاقم من أن معرفة الغير بالمرأة التي تخصه سوف يجعله أضحوكة أو محلا للسخرية. ولا أدري ما هي الحيلة القادمة عند هذا الصنف من المتشنجين لتضليل الناس عن نسائهم؟
وعلى الرغم من أن اسم المرأة اليوم صار معلنا في الصحف وفي وسائل الإعلام سواء عند إظهار نتائج الناجحات أو الموظفات أو حتى الكاتبات في الصحف؛ إلا أن المشكلة يبدو أنها مرتبطة بمناداة المرأة أكثر من ارتباطها بكتابة اسمها. فمثلا في بعض مدارس البنات في الرياض يُنادى على الطالبات للخروج عن طريق ذكر أسماء آبائهن.
والجدير بالذكر أنه في المقابل فإن المرأة نفسها لاتصرح في بعض الأحيان باسم زوجها وأحيانا تجد حرجا في البوح بعلاقته، فتقول عنه «أبونا»، أو «أبو فلان»؛ وكأن صفة الزوج تحمل دلالة الحرج لكونها تحيل على العلاقة الجنسية التي تشعر بها تلك المرأة على اعتبار أن العلاقة الزوجية في ذهنها تقوم أساسا على الجنس. وبناء على ذلك فهي تعتقد أن أي إشارة إلى الزوج تتضمن بالضرورة تلك العلاقة؛ ولهذا فإنها تجد في صفة الأبوة مخرجا لطيفا للتعبير عن الزوج، بيد أن الزوج في الغالب لا يجد في صفة الأمومة مدخلا مناسبا للتعبير عن الزوجة.
ولاشك أن مناداة المرأة باسمها هو إعزاز لها واحترام لكيانها؛ كما ان مناداتها بلقبها يغني عن مناداتها بألفاظ مثل «هيش»، ويتلافى مشكلة عدم التصريح بها. ويبدو أن مسألة مناداة المرأة هي مجرد عادة يمارسها الناس وتصبح جزءاً من قيمهم الأخلاقية.
hujailan@alriyadh.com