معرض لميشال بوتور
تحتفي «المكتبة الوطنية في فرنسا» بالكاتب الفرنسي ميشال بوتور من خلال معرض ضخم يتوقّف عند أبرز المحطات في حياة ونتاج هذا الكاتب الذي يعدّ أحد روّاد الكتابة الحديثة والمعروف بتضامنه مع القضايا العربية العادلة.
ولد ميشال بوتور عام 1926 ويعتبره النقاد سليل حساسية أدبية وفلسفية من ممثليها رامبو وبول فيرلين وفيكتور هيغو وغاستون باشلار. وهو، بتنوّع اهتماماته وكتاباته التي تتحرك فوق رقعة واسعة من الأنواع والأساليب، يشكّل عالماً أدبياً قائماً بذاته. ويجمع، في شخص واحد، الشاعر والروائي والباحث والناقد والفنان ومؤرخ الفنّ والموسيقي والمصوّر الفوتوغرافي وعالم الإتنولوجيا. ويتمتّع بمعرفة عميقة وشاملة تذكّر بما عرفناه مع المفكرين والفلاسفة الموسوعيين في عصر الأنوار.
نفهم أكثر حدود هذه الاهتمامات المتشعبة عندما ندرك أن ميشال بوتور هو أيضاً رحالة ومسافر ليس فقط بين المدن والقارات، بل أيضاً بين الثقافات والحضارات المختلفة. من بلاد ما بين النهرين والفراعنة والحضارة العربية والإسلامية، إلى الأساطير الإغريقية، وإلى فلاسفة اليونان القدامى الذين ابتكروا الحوار الفلسفي وأرسوا اللبنة الأولى للمنطق. ولقد غاص بوتور عميقاً في أسرار العالم وأسهم عبر نتاجه الواسع في الكشف عن بعض ملامحها خصوصاً من خلال كتابه الرائع «عبقرية المكان».
من الفكر إلى الشعر والرواية، نحت بوتور نتاجه من أحجار وأصداء متنوعة. وكان مسكوناً بهاجس الشكل. وهذا ما دفعه إلى أن يكون أحد رواد الرواية الجديدة في فرنسا. وعندما صدرت روايته «درجات» عن دار «غاليمار» الباريسة، مطلع الستينات، قالت عنه الروائية ناتالي ساروت المعروفة أيضاً عبر مساهماتها في تأسيس الرواية الجديدة: «كتاب ميشال بوتور لا يشبه أي نتاج آخر سبق أن قرأناه». هذه الشهادة تبعتها في السنوات اللاحقة شهادات روائيين ومفكرين وموسيقيين منهم رولان بارت وكلود سيمون وبيار بوليز. وقد أكد هؤلاء على خصوصية التجربة التي صاغها ميشال بوتور وأهميتها في تاريخ الأدب الحديث، واعتبروا أنّ هذا الكاتب الفرنسي خاض معركة اللغة إلى أقصاها. في هذا السياق، كتب الروائي الفرنسي لو كليزيو إثر قراءته لكتاب بوتور وعنوانه «أين»: «أن نقرأ بصورة متواصلة، كل الوقت بلا هوادة، لنهرب من العالم ونعثر من جديد على جمال الأرض وتنوّعها ومجهولها».
نجح معرض «المكتبة الوطنية في فرنسا» والمخصّص لميشال بوتور في أن يعرض أمامنا تفاعل الكاتب مع الزمن المعاصر وحواراته مع الماضي والحاضر، وكشف عن رؤية الكاتب الأدبية والجمالية من خلال مخطوطات وكتب نادرة وطبعات أولى لمؤلفاته، ولوحات فنية، وصور فوتوغرافية تحمل توقيعه، هذا بالإضافة إلى منحوتات تحمل تواقيع كلّ من أليشنسكي، مكسيم غودار، جاك مونروا... ويتأتى قسم من هذه الوثائق من المجموعة التي أودعها بوتور منذ سنوات «مكتبة لويس نوسيرا» في مدينة نيس، وتحتوي المجموعة على أكثر من ألف وثيقة. ولا بدّ من الإشارة هنا إلى أنّ هذه المكتبة سبق أن احتفت بالكاتب وكرّست له، منذ سنتين، معرضاً شاملاً.
واكب المعرض الحالي صدور كاتالوغ أسهم في تأليفه عدد من المتخصّصين واحتوى على نسبة كبيرة من القطع المعروضة، وهو بمثابة كتاب يشكّل أحد المراجع الأساسية لدخول عالم ميشال بوتور وفهم كتاباته وتجربته وأسفاره التي لا تنتهي.
سباق الموت والأمل
يتعرّض لبنان اليوم لحرب تهدّد وجوده وكيانه، وآلة الدمار الإسرائيلية المرعبة تقتل البشر وتدمّر البنى التحتية والمرافق العامة والمؤسسات المدنية والإعلامية وتوجّه ضربة قاسية للاقتصاد اللبناني. تنسف الطرقات والجسور، المطارات والموانئ. تقصف المدن والقرى والبلدات وقد حوّلت بعضها أنقاضاً. تصوّب نيرانها نحو سيارات الإسعاف، ومواكب تشييع القتلى، ومصانع الأغذية. تطارد طائراتها الحربية النازحين الهاربين من منازلهم، فتبعثرهم أشلاء فوق الطرقات. تلقي قنابلها التي تزن الأطنان فوق المباني السكنية، وفوق الملاجئ. حتى الملاجئ. وتعود ثانيةً إلى قانا. قانا الجنوبية التي أصبحت أيقونة المأساة الجديدة بعد أن طال القصف الإسرائيلي الملجأ الذي اختبأ فيه الأطفال والنساء والشيوخ. أكثر من ستين شخصاً امتزجوا، في لحظة واحدة، بالتراب والغبار. لقد أصبحت قانا التي طالتها المجزرة مرّتَين في غضون عشر سنوات، مرادفاً لمدينة «غويرنيكا» الإسبانية التي رسم بيكاسو لوحته الشهيرة من وحي مأساتها.
كلّ يوم هناك قانا جديدة في لبنان. كلّ يوم مجزرة جديدة. وذلك كلّه أمام صمت المجتمع الدولي. أمام صمت العالم الذي يشاهد الخراب والموت كأنه يشاهد فيلماً سينمائياً جرى تصويره داخل الاستديو، ولا يتنبّه إلى أن النار التي تلتهم لبنان، إذا لم تتوقف في أسرع وقت، ستكون انعكاساتها ونتائجها مدمرة ليس فقط بالنسبة إلى لبنان والشرق الأوسط، بل بالنسبة إلى العالم بأسره.
لقد أعلنت إسرائيل الحرب على لبنان وهو لم يعلن الحرب عليها. أعلنت الحرب على بلد لم يبرأ بعدُ من جراحه القديمة، وكان يحاول الخروج منها، طوال خمس عشرة سنة، بناءً وإعماراً وعودة إلى نزعة الحياة الأقوى فيه. وهذا ما يضايق إسرائيل لأنها لا تريده إلاّ أنقاضاً تجاورها دول من الأنقاض تتناهشها الطوائف والقبائل وتتآكلها الحروب الأهلية والنزاعات.
كان لبنان الخارج من رماده، المقبِل على عمرانه، المتشبّث بنزعته إلى الحرية، يعود ليكون، مرة ثانية، محطّ لقاء وتلاقح بين التيارت والأفكار المختلفة، وأرضاً خصبة للتفاعل الثقافي، ومكاناً صالحاً للسياحة والاستثمار. غير أنّ الدولة العبرية، دولة الحرب، ما كانت تريد له أن ينهض حتى لا يهددها بسلامه، أو بما يمثل من طاقة على التجدّد والانفتاح ومن نموذج يمكن أن تحتذيه دول المنطقة. وليس الانقضاض الشرس على البشر والحجر إلاّ ردّ فعل على لبنان - النموذج من أجل تحطيمه وتسويته بالأرض.
إنها عين الثأر تلاحق اللبنانيين حتى في أحلامهم. وتلاحقهم أينما كانوا، في الوطن أو في المهجر. ورداً على هذه العين الشريرة، جاءت وقفتهم الواحدة المتضامنة في كلّ مكان بعد أن أدركوا أنّ الوحش الذي يضربهم، وبهذه النزعة الهستيرية المجنونة، إنما يستهدف وجودهم وكيانهم.
لبنان فسحة الحرية والفكرة والحلم، هو المستهدَف، ومعه الدور التحديثي الذي لعبه منذ نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. والمستهدفة أيضاً، وفي المقام الأول، بيروت، عاصمة الثقافة والنشر والمسرح والأدب والفنّ والموسيقى. بيروت الفرح واللحظة الذهبيّة في تاريخ العالم العربي الحديث.
لا تريد إسرائيل قياماً للبنان، بل تمعن في تدميره، شعباً وأرضاً وعمراناً، لكن هل يستطيع القتَلة والمجرمون المدجّجون بأحدث الأسلحة وأكثرها فتكاً وتدميراً، أن يقتلوا شعباً بأكمله؟ وهل بالإمكان استئصال الأمل من نفوس هذا الشعب؟
لا لن يتمكّنوا إذا عرف أهل لبنان كيف يظلّون متضامنين موحَّدين في مواجهة هذا الاعتداء الشرس. لن يتمكّنوا لأنّ الآمال الكبيرة إنّما تولد من الأوجاع الكبيرة كما يولد الفجر من أعماق الليل.