د. عبدالله إبراهيم
أثير جدل مستفيض، اقترب إلى درجة الخلاف واللغط، حول رواية «عمارة يعقوبيان» لمؤلفها علاء الأسواني. وبخاصة بعد أن حوّلت إلى فيلم سينمائي بالاسم نفسه، ويبدو لي بأن الفيلم ارتفع بالرواية، فلطالما خفضت أفلام قيمة الروايات كما جرى مع «اسم الوردة» لأمبيرتو إيكو، و«شفرة دافنشي» لدان براون، ولطالما ارتفعت أفلام بالنصوص الروائية التي اعتمدتها، كما هو الأمر في هذه الرواية. وينبغي الاعتراف بأن المعايير النهائية للمفاضلة لم يتفق عليها نقدياً بين نوعين مختلفين من أنواع التعبير، وهي محل تجاذب بين الجميع، وقد وجدت أن الفيلم، بمشاهده الكبيرة، فتح الرواية على فضاءات شاملة طمست كثيراً من معالم الضعف التي شابت النص الروائي، وفي مقدمتها المظهر التسجيلي المباشر الذي جعلها أقرب إلى تقرير صحفي سريع في بعض فصولها وفقراتها، فضلاً عن ضعف ظاهر في اللغة، والأداء الفني، والوقوع في المباشرة والخطابية، وعدم توظيف تقنيات السرد بصورة جيدة، ناهيك عن الاستطرادات والشروح التي وردت في تضاعيف النص، وغايتها التفسير أو التقرير. ثمة ضعف لا يخفى في صلب البنية السردية للرواية، وفي كثير من فقراتها بدت تقريراً لا يشفع له - من الناحية الفنية - يتقصد إظهار جملة من المواقف أكثر مما هي عمل فني رفيع المستوى، وقيمة الرواية جاءت من إحالتها على موضوعات تهم المجتمع المصري أكثر من كونها تنطوي بذاتها على أهمية خاصة بها. وهو ما سنحاول الوقوف عليه في هذه المقالة.
معلوم أن الواقع المصري اختزن، طوال أكثر من نصف قرن، صراعاً محتدماً بين ارستقراطية تقليدية انهزمت إثر انهيار مقوماتها بسبب ثورة 1952م، وجماعات متنفذة احتكرت السلطة على اعتابها، فجعلت من السلطة وسيلة للثروة، فيما كانت الثروة هي الطريق إلى السلطة عند الطبقة القديمة، وإلى جانب هذا وقع صراع دموي بين سلطة استبدادية ذات خلفية عسكرية وبين جماعات دينية وجدت في تلك السلطة أنموذجاً لممارسة العنف والاستئصال والاجتثاث، وهذه الجماعات رأت أن السلطات السياسية الفاسدة حالت دون تطوير المؤسسات المدنية التي تكفل للمجتمع سلامته وحريته ومن الطبيعي أن يتمزق نسيج المجتمع المصري بين هذه الاستقطابات المتضادة، فيبدو كل ما يتصل بالماضي جميلاً، وشفافاً، وكل ما له صلة بالحاضر سيئاً ومربكاً، والأكثر من ذلك فشخصيات الطبقة القديمة هي المنتمية، فيما الشخصيات المعاصرة عدمية، ولا منتمية، وغاضبة، وشرهة، والتي تعرض هجاء متواصلاً ضد بلدها، لأنها سلبت كل القيم الإنسانية التي تجعل من المرء ينتمي إلى مجتمع ووطن بإرادته ورغبته.
هذه هي الخلفية الحاضنة لرواية «عمارة يعقوبيان» وهي التي أضفت على كل الإشارات الواردة فيها قيمة مضاعفة، فالمتلقي يتخطى النص إلى المرجعية الواقعية، لأن الرواية تستعرض بصورة تقرب إلى التسجيلية شرائح من حياة مجموعة من الشخصيات، ثم تتعقب مصائرها، برؤية تقليدية تعتمد على مبدأ التناقض بين الخير والشر، فكل شرير ينبغي أن ينال العقاب الفعلي أو الرمزي، والأخيار - وهم نادرون في الرواية - ينبغي مكافآتهم رمزياً بالتغاضي عن اخطائهم، كما وقع لزكي الدسوقي وطه الشاذلي. وحيثما نجول النظر في الاحتمالات الممكنة نجد أن المرجعية الواقعية التي تستند إليها الرواية في موضوعها هي التي أضفت معنى عميقاً على النص، وليست المهارات السردية فيها، فتوازي الحكايات الأربع (حكاية زكي الدسوقي، وحكاية محمد عزام، وحكاية حاتم رشيد، وحكاية طه الشاذلي) يؤشر إلى مرجعيات أكثر مما يفتح الأفق على احتمالات تأويلية جديدة، فقد جرى ضبط علاقات التوازي لتتبع المصائر، فكأن النهاية هي المكافئ لمسار الحياة وليس الحياة ذاتها، وهذه نظرة أخلاقية - قيمية تجاوزتها الرواية التي أصبحت موضوعاً للبحث في المشكلات الاجتماعية والدينية والأخلاقية والتاريخية والسياسية، وليس تحويل الشخصيات - وهي مكونات سردية - إلى أيقونات واقعية بغرض تحديد مصيرها بناء على أفعالها، ليقع قبولها أو رفضها من قبل المتلقي، ثم عقابها أو مكافأتها في ضوء علاقتها بنظام القيم التي تعيش فيه، ولعل هذا المنحى في المعالجة السردية هو الذي قلل من أهمية المكان (الذي توحي الرواية بأهميته)، فلم يعد المكان إطاراً جامعاً تتفاعل فيه الشخصيات، إنما مجرد عتبة تمر بها للولوج إلى عوالم أخرى، وحتى الزمان بدا مرتبكاً، فكل طموح له تفسير جاهز، وهذا خرق للميثاق السردي الذي يؤكد ضرورة ترك الشخصيات تتطور بفعل الأحداث.
تبدو حكاية زكي الدسوقي حكاية رثاء مرة لطبقة آفلة، فحيرته تعبير عن احتضار طبقة وأفولها، والتفسير الذي تعرضه الرواية يتمثل بثورة الضباط مطلع الخمسينيات من القرن الماضي، وهم جماعة عدائية عنيفة كرست نفسها لفكرة الانتقام من طبقة حاكمة لها جذر عميق في الذوق والثقافة والتعليم، وبتفكيك الأواصر الخاصة بالطبقة القديمة تفككت عرى المجتمع بكامله، وفقد البوصلة الأخلاقية، وكان أن هيمن المنتفعون والانتهازيون على المجتمع، وهذا ما تجسده حكاية محمد عزام الذي يرتقي سلم الثروة عبر المتاجرة بالممنوعات، ومن الطبيعي أن يقع تهميش في إطار هذا المأثور الرهيب لعدد هائل من الناس الذين لم يتمكنوا من الانخراط فيه، وتفسر ذلك بوضوح حكاية طه الشاذلي، الذي حال الفساد العام دون تحقيق رغبته في أن يكون ضباطاً في الشرطة، وبذلك استبدل اختياراً دينياً دفعه لممارسة عنف ضد سلطة انتهكت كرامته الإنسانية، وحالت دون تطلعاته في الحياة، وبين هذه الحكايات تربض حكاية حاتم رشيد الشخصية، وهي حكاية فردية تنأى بنفسها عن الصراع العام، وتحتكم إلى مبدأ اللذة الجسدية ثم تكافأ بنهاية معتمة، فكل متعة ينبغي أن ترتبط بتفسير أخلاقي لكي يتقرر مصيرها، وثم قبولها أو رفضها، ويكون مصير حاتم قاتماً لأنه مضى في لذة تعارض نظام القيم العامة، فيما جرى قبول كل آثام الدسوقي لأنه أنهى مسار حياته بالارتباط الشرعي ببثينة، والحكاية بأجمعها عقيمة كالمرجعيات الحاضنة لها، فهي مرجعيات مقفلة في نوع الصراع الذي تخوضه، فالدسوقي العاجز يتزوج وهو على حافة القبر، وعزام لا يريد أن ينجب إنما يكتفي بالمتعة العابرة التي تقترب إلى أن تكون نوعاً من البغاء المقنع، وطه الشاذلي لا يعنيه غير الانتقام من السلطة التي عبثت به إذلالاً حد اغتصابه، أما حكاية حاتم رشيد، فبطبيعتها حكاية عقم مطلق.
نحن إذن بإزاء أفق مغلق تحتضر رموزه أمامنا، وتدور صراعاته في دائرة مبهمة من العجز والمتعة الشاذة والمنفعة والفساد والعنف، وانهيار تلك الرموز وإنما هو انهيار نظام شامل من القيم والتصورات، وحتي المقاومة الانفعالية التي تتغطى بمسوح الدين التي ينخرط فيها طه الشاذلي، إنما هي مقاومة انتقام بسبب أذى لحق بفرد أو جماعة تستعير تصوراتها اللاهوتية من الماضي، لكن تناقضات الحاضر هي التي منحها شرعية المقاومة. إنها حكايات عقم معظمها يغلق الطريق على نفسه، ويضع إشارة الختام المحرمة على الزمن والتاريخ (وهي تذكر بحكايات الحرافيش، عند نجيب محفوظ) فالشخصيات الأربع الأساسية غير مجهزة بالديمومة والاستمرارية، فهي تعيش إما لتستمتع فقط (الدسوقي، وحاتم) أو لتثري بصورة غير مشروعة (عزام) أو لتنتقم (الشاذلي) وبين هذا وذاك يترنح مجتمع بكامله تحت طائلة الغضب واللامبالاة والعوز والرغبة بالهجرة، وكل الشخصيات الثانوية الأخرى أدرجت لتعطي لهذه الحالات معناها، وبخاصة النساء اللواتي جرى التلاعب بهن ليكن موضوعات للمتعة المباحة أو المحرمة.
www.abdullah.ibrahem.com