يعد التعليم بشتى وسائله أحد أهم الركائز الأساسية التي تبنى بها الحضارات، فبه سادت أمم ومن دونه بادت حضارات واندثرت، لأنها لم تترك ما يخلد لها ذكراً، وكان من نتاج هذا التعليم ما نعيشه اليوم من طفرة تقنية هائلة شاملة أصبحت أسبابها تحيط بجميع شئون الحياة، من أجل ذلك كان الأولى بالاستفادة من هذه التقنيات وهذا التطور هو التعليم ذاته، لأن في تطوره تطور للحياة بشكل كامل، لكن ولأن سياسة التغيير تتطلب شجاعة وروح مبادرة فإن مجتمعاتنا العربية (على وجه الخصوص) - وبكل أسف - مهما بلغت فيها درجات التعليم والرقي العقلي لا زالت تفضل الوقوف بموقف المتفرج حتى يسير الركب ويبتعد عندها تحاول اللحاق به .. إضافة إلى أن بعض العقول تخشى الدخول في معمعة هذه التقنيات، بل أن هناك من يحس بأن هذه التقنيات خطراً يجب أن يحارب لاعتقاده أنها تهدد مصالحه وقد تصبح بديلاً عنه، هذه الحقيقة التي يجب أن ندركها وإن لم تعجبنا.
ففي الوقت الذي بدأت فيه دول متقدمة جداً بتنفيذ بعض تطبيقات التعليم عن بُعد في مدارسها الابتدائية نجد أن من أهم المرفوضات (بشدة) جميع الشهادات الجامعية والعليا المتحصلة بهذا الأسلوب في بلداننا العربية، وكان من الأجدر أن تتخذ خطوات أكثر إيجابية (سبق وأن أشرنا إليها في تقرير سابق لم يحظ بأي اهتمام أو تعليق من جانب المسئولين في التعليم العالي !!) ومن بين تلك المقترحات أن تتبنى الجامعات المحلية نفسها هذا الاتجاه ثم تجري اختبارات مباشرة وحضورية للمتقدمين إن كانت لا تثق بالوسائل الحديثة، وعندها كل طالب يتحصل على ما يستحقه من علامات بشكل عادل وموضوعي.
عموماً هذا الموضوع متشعب جداً وحتى نبتعد فيه عن نظرة الزاوية الواحدة وتغليب الرأي الشخصي فإنه يجب عرضه من جوانب وزوايا مختلفة .. لذلك قمت باستضافة عدد من المعنيين في هذا المجال من طلبة وأكاديميين لنتبين الموضوع من مصادر متعددة وآراء قد تكون مختلفة، وسأقف معكم لأدع الضيوف يتحدثون بأنفسهم .
شروط وعقبات عربية ..
٭ منجي بن أحمد بوزيان يعمل (مشرف ومدرب) آخر مؤهل بكالوريوس ويدرس حالياً طالب ماجستير عن بُعد في جامعة أمريكية، يقول : أسباب كثيرة جعلتني ألجأ لأسلوب التعليم عن بعد لعل من أهمها الصراع والمنافسة للحصول على وظيفة أفضل . ولأن استراتيجيات الحياة وظروفها المختلفة تفرض روح المنافسة والفرص الوظيفية من نصيب الأسبق زمنا في طلبها فقد بحثت عن مواصلة دراستي العليا بشغف واتصلت بأغلب الجامعات العربية فوجدت أن جميعها تشترط لغة أجنبية ورسوم باهظة وحضورا ضروريا خلال فترات طويلة وتكبد مصاريف أخرى. وقبل أن يدب اليأس في نفسي حولت وجهتي نحو الجامعات الأجنبية في أوروبا وأمريكا التي لم تشترط عليّ أي واحدة منها لغة أجنبية غير لغتها الأصلية ..
إعجاب وتعجب !! ..
ويقول : مما أثار إعجابي وتعجبي أنه في الوقت الذي تشترط فيه جامعاتنا العربية أن تكون الدراسة باللغات الأجنبية (!!) فإن هناك من الجامعات الأمريكية والجامعات البريطانية والجامعات الفرنسية تدرّس باللغة العربية ولا تشترط لغة بلد انتمائها وإنما - وبدلاً من ذلك - تطلب ترجمة البحوث وأعمال التخرج عن طريق أساتذة عرب مرتبطين بها .. فالذي يهمها هو استيعاب الطالب للرسالة أو المعلومة بأي لغة كانت طالما أنها تعرف أنه قد استوعبها .. ولم تشترط عليّ أي من هذه الجامعات أن تكون جنسيتي كذا لكي أدرس لديها. ولم اسمع لديهم أن طاقة استيعاب جامعاتهم محدودة .. ولم تشترط حضوري إلا مرة واحدة لمناقشة عمل التخرج الذي أعده بلغتي العربية.
أمة التراث ..!!
ولا يزال بوزيان متحدثاً حيث يقول : من ذلك عرفت إننا قوم نهوى التراث ونعيش عليه .. حتى قوانين مؤسساتنا قد بلت أوراقها لطول بقائها في ملفات المديرين والعمداء واصفرت ولم تتغير والمقررات الدراسية ما تزال تتسلق المراتب البسيطة من الحفظ إلى التذكر إلى التطبيق أما المراتب العليا من التحليل والإثراء والتعديل والتعليل والإبداع فهي مازالت وإن كنا متفائلين إن شاء الله ببلوغها مستقبلا بعزيمة بعض الرجال في هذا البلد وإني لمتفائل بأن الملك عبدالله (ملك الإنسانية كما يحلو لي أن اسميه وخادم الحرمين الشريفين كما يحلو للمسلمين تسميته). سيغير مما لدينا حتى نبلغ ما نصبو إليه وطالما كانت المملكة قدوة للعالم دينا ومجدا فلتكن قدوة في التكنولوجيا والصناعة والبحث العلمي ... لان العلم ضرورة وطنية، وضرورة أمنية، وضرورة حضارية فاني أدعو إلى توفير مجالات العلم والمعرفة وفتح جميع المنافذ إليه ..
أساليب تعليمية متنوعة ومتطورة ..
ويواصل منجي حديثه قائلاً : لاشك أن التعليم عن بعد يتخذ طرائق متنوعة منها الالكتروني بواسطة غرف المحاضرات والمناقشات الدراسية ومنها المراسلات الالكترونية المستمرة عن طريق المنتدى الدراسي المفتوح والمباشر أو التراسل التراكمي او مراسلات البريد الالكتروني أو استخدام الوسائط وإرسالها عن طريق البريد العادي أو محاضرات (الفيديو) المرئية والمسموعة المباشرة أو محاضرات الفيديو المسجلة على المواقع المتخصصة ومنها التقويم التكويني أو البنائي الذي يساير قدرات الدارس حسب تقدمه في دراسات الوحدات التعليمية المقررة.
دراسة بحثية ..
ويضيف : لقد قمت بعمل دراسة عن مدرسة حديثة تتناول حياة المتعلم من الأول الابتدائي إلى أن يجتاز الثانوية العامة يتم فيها مراعاة عدد من العناصر منها : قدرات الطالب دون الارتباط بالآخرين وهذا يجعل البناء التعليمي مركزا لدى كل متعلم ويحقق الحد الأدنى المطلوب، كذلك توزيع المقررات إلى وحدات ومحاور مما يؤدي إلى امتلاك حقيقي لمحتوى كل وحدة مدروسة، عدم ربط الدراسة بسن معينة وهذا يتيح لذوي المواهب وللعباقرة بان يتعلموا وفق قدراتهم الخارقة وبالسرعة التي تناسبهم وكذلك لذوي الاحتياجات الخاصة فلا يشعرون بالخيبة والإحباط ويحكم عليهم بالفشل ظلما، أيضاً انتهاج المقررات الالكترونية والوسائط منهجا ووسيلة في التعلم، استمرارية التواصل بين المؤسسة التعليمية والمتعلم، تقليل الساعات الصفية وتكثيف وسائل وطرق التمهير، تنويع الوسائل الحديثة ليس تكديسا وإنما استخداما مشوقا وفعالا، وأخيراً تقليل كلفة المتعلم باختصار سنوات الدراسة لدى الكثيرين وتقليل المدفوعات بتوزيع الرسوم بين الجهة الرسمية المسئولة وبين ولي أمر المتعلم أو المتعلم نفسه. وقد نوقشت هذه الدراسة ونالت إعجاب الغربيين وهي تطبق في عدد من مؤسساتهم.
تكاليف ميسرة !
٭ الأخت هند محمد تحمل الثانوية وتعمل على استكمال دراسة البكالوريوس في إحدى الجامعات الأجنبية المتخصصة في التعليم عن بُعد تصف تجربتها وتقول : قبل فترة أنهيت دراستي الثانوية وقد تقدمت للجامعات السعودية ولم أحصل للأسف على قبول لأن معدلي أقل بقليل من 75٪، ففقدت الأمل باستكمال دراستي الجامعية، لكن ومع توفر نعمة الإنترنت وأثناء بحثي عثرت على إحدى الجامعات التي تقدم هذه الخدمة، فقمت بمراسلتهم وأرشدوني لطريقة التسجيل عن طريق مرشدهم الأكاديمي الموجود في المنطقة، وتم التسجيل بالفعل والآن أنا أوشك على إنهاء دراستي ولله الحمد. وبخصوص تكاليف الدراسة فتبلغ حوالي 5000 دولار تقريباً أدفعها على أقساط ميسرة جداً وأعتقد أن ذلك فيه تيسير على الطلبة. قارنوا ذلك مع تكلفة الانتساب في أسوأ جامعة عربية !!.
استغراب ..
وتضيف: أما عن تقييمي لأسلوب الدراسة عن بعد فأقول أنها قفزة نوعية أكثر من رائعة خاصة ومما أسعدني أن بعض الجامعات العربية بدأت تلجأ لذلك وتوفر أفضل الوسائل ومن بين هذه الوسائل القنوات التلفزيونية كجامعتي القاهرة والبعث بسوريا (على ما أظن) . وأظن الوضع لا يختلف عنه في التعليم العام بل أنه أفضل من وجهة نظري لأنه بإمكاني تسجيل محاضرة الدكتور ومشاهدتها أكثر من مرة حتى استوعب كل ما قاله. وهناك جامعات كثيرة توفر محاضراتها عبر مواقعها على الإنترنت وبرأيي الشخصي أسلوب التعلم عن بعد أفضل بمراحل من التعليم بالانتساب، الذي لا يستقي الطالب فيه معلوماته سوى من خلال المنهج مع العلم أن الدراسة الجامعية لا منهجية. لذلك فإني استغرب بشدة كيف يعترف بالانتساب ولا يعترف بالدراسة عن بعد؟!!.
التركيز على الوسيلة وترك النتيجة !!
وتقول (والحديث لا يزال لهند) : إن التعليم عن بُعد يخدم شرائح كبيرة من المجتمع، فهناك المعاقون وهناك ربات البيوت كذلك والعاملون الذين ليس بمقدورهم الدراسة إلا بهذا الأسلوب لعدم توافق وقت الفراغ مع الأوقات المتاحة للدراسة النظامية، ويتيح الدراسة بعدد من الوسائل الحديثة مثل الفيديو والتلفزيون والمحاضرات المباشرة على الإنترنت والمسجلة على ملفات صوتية أو المكتوبة على شرائح عرض. والذي يثير دهشتي أن التركيز على الوسيلة وإهمال الغاية والتي هي التحصيل العلمي، فمثلاً بريطانيا نعترف بجامعاتها ونبعث طلبتنا لها بالرغم من أنها تعترف بسنوات الخبرة وتعادلها على أنها مواد مدروسة .. بل وهناك دولاً أخرى لا تعترف بالشهادات حتى تجري اختبارات للمتقدمين لها ..
مغالاة بالتكاليف ..
٭ زيد عايد العنزي يحمل دبلوم حاسب من الكلية التقنية بالرياض ويعمل بمهنة مسئول مبيعات تنفيذي في إحدى الشركات، يدرس حالياً ويوشك على نيل شهادة البكالوريوس في إدارة الأعمال من جامعة كولومبس columbusu.net التي تعتمد أسلوب التعليم عن بعد، يقول : إن ظروف عملي وأيضا عدم قدرتي على الالتحاق بإحدى الجامعات المنتظمة كونها تطالب الطالب بالتفرغ للدراسة. جعلاني ألجأ لهذا النوع من التعليم، وكما يعلم الجميع أن هذا النوع من الدراسة قد عمل به منذ سنوات طويلة في دول متقدمة جداً وهذا دليل على نجاح هذا النوع من الدراسة، كما أن الجامعات لدينا تبالغ في تكاليف الدراسة، بينما الجامعة التي أدرس بها تبلغ تكاليف الدراسة فيها حوالي العشرين ألف ريال وهناك ما هو أكثر لبعض التخصصات .
حرية أكبر ..
ويضيف : في الحقيقة هذا النوع من التعليم ممتاز جداً ومفيد كثيراً خصوصاً للموظف الذي يعد أكثر شريحة تستفيد منه، أضف إلى ذلك أن الطالب يدرس ما يطبقه على أرض الواقع، ومن وجهة نظري هو أفضل بكثير من أسلوب الدراسة بالانتساب لان الدراسة فيه مفتوحة تراعي ظروف والتزامات الطالب، وبالتالي فلست مقيداً بعمل الاختبار في تاريخ محدد وساعة محددة وغير ذلك إضافة إلى أن فهمك للمادة يكون أوسع نظراً لتعدد وسائل التلقي والشرح وهذا من واقع تجربة. فمن الوسائل على سبيل المثال الإنترنت عن طريق ما يعرف بالويب كام Webcam المثبتة في قاعات المحاضرات، وأيضاً هناك المراسلة عبر الإيميل، إضافة إلى ما يوفر من مناهج ومحاضرات على موقع الجامعة.
وعن كيفية الدراسة يقول زيد : يمكن للطالب أن يدرس مباشرة وباللغة العربية إن أراد ذلك عن طريق مكتب ارتباط الجامعة بالرياض، حيث يكتفون بعمل بحث عن كل مادة دراسية يتم تصحيحها من قبل الدكتور المشرف على الدراسة في ذلك المكتب.
بحاجة إلى تطوير ..
٭ مساعد عواد العنزي، طالب بكالوريوس لغة إنجليزية - ترجمة، جامعة البعث - التعليم المفتوح يقول : الذي جعلني ألجأ إلى التعليم عن بعد هو أنها طريقة تعليم ذاتية لمن لا يجد وقتاً لحضور المحاضرات في قاعات التعليم التقليدي، ويمكن الاستفادة من وقت الفراغ الكثير بالانشغال بأعمال أخرى لكي أستطيع تمويل عملية التعليم والتي تبلغ تكلفتها 6000 دولار أمريكي (هذا على افتراض عدم حدوث أي رسوب ولا إعادة لأي مادة). وبرأيي الشخصي أن التعليم عن بعد في وطننا العربي يعتبر طريقة تعليم مثلى ومفيدة ولكنها لا زالت بحاجة لمزيد من الاهتمام والتطوير وتحتاج لفترة من الزمن لكي تصبح بنفس المستوى الذي وصلته الجامعات الغربية من ناحية الجودة والمستوى.
الجمع بين العلم والوظيفة
ويضيف مساعد : على العموم أعتقد أن التعليم المفتوح هو الأسلوب الأنسب لكثير من الفئات والشرائح التي لا تستطيع تلقي التعليم بالطريقة التقليدية، كفئة العاملين بالقطاع الخاص ممن لا يوجد لديهم وقت فراغ ولا يمكنهم حضور المحاضرات والمداومة عليها، كذلك فئة ربات المنازل والمعاقين إعاقات جسدية تمنعهم من الانتقال والحركة، أيضاً سكان الضواحي والقرى النائية ممن لا تتوفر في مكان إقامتهم جامعات، وليس بمقدورهم التنقل، ويكفي أن نعلم أن هذا الأسلوب يسمح للواحد أن يعمل بوظيفته ويدرس في نفس الوقت، ولا يتطلب منه الحضور إلا عند الامتحان النهائي أو الفصلي فقط، مع أن هناك جامعات مفتوحة تعطي الطالب حرية ومرونة أكبر في تحديد الوقت الذي سيجري فيه الامتحان كالجامعة الأمريكية بلندن وكولومبس غيرها.
تقنيات حديثة ..
ويقول مساعد : ومن ناحية التقنيات المستخدمة في العملية التعليمية المفتوحة فهناك عدة وسائل استخدمها (شخصياً في دراستي الحالية) كالأقراص المدمجة التي تتضمن محاضرات مصورة أو منقولة صوتيا أو كتابياً، كذلك هناك متابعة المحاضرات عن طريق الإنترنت، والتي تستطيع من خلالها أيضاً معرفة آخر أخبار الجامعة عن طريق موقعها، ولقد تم اعتماد وسيلة جديدة في الجامعة التي أدرس فيها وهي التعليم بالبث التلفزيوني، حيث ثبت قناة عن طريق الأقمار الصناعية المحاضرات مباشرة وفق جدول زمني محدد . وفي تصوري الشخصي أن أسلوب التعليم عن بعد أفضل بكثير من الانتساب الذي لا يعتمد فيه الطالب إلا على المنهج المقرر، لكن سبب لجوء الجامعات العربية للانتساب لأنه لا يكلفها شيئاً في الوقت الذي تتقاضى فيه رسوماً باهظة. لكن أتمنى أن تدرك هذه الجامعات رسالتها الحقيقية وأن تبحث عن الوسيلة الأفضل وليست الأسهل لكي تخرج نماذجاً يشرفونها في سوق العمل.
اعتراف دولي ..
٭ الدكتور/ جمعة بن خالد الوقاع رئيس قسم العلوم الإنسانية بكلية الملك خالد العسكرية يقول (معرفاً نظام التعليم عن بعد) : يتمثل نظام التعليم المفتوح أو التعليم عن بعد في تسجيل الطالب لمقررات دراسية، وتعلمها ذاتياً ومن ثم فهو يقدم الخدمة التعليمية للراغب فيها في مكان تواجده، وفي الوقت الذي يرغبه ويناسب ظروفه. وهو تعليم معترف به دولياً من عشرات السنين، إذ تم افتتاح الجامعة البريطانية للتعليم المفتوح عام 1969م وكانت آنذاك تعتمد على البث التلفزيوني والإذاعي .
فائدة أوسع ..
وهذا النوع من التعليم يتيح فرصة كبيرة لتلقي العلم والمعرفة بطرق غير تقليدية، وهو من أنواع التعليم الجديدة نسبياً في بلادنا والبلاد العربية بشكل عام، وبالرغم من أن هناك محاولات من بعض الجهات التي تهتم بمثل هذا التعليم. ويعود السبب في ذلك إلى تأخر دول العالم الثالث في إدراك أهمية التكنولوجيا الحديثة في التعليم وكذا عدم توفر المناهج المناسبة. والمشكلة الرئيسة في هذا التعليم عدم وجود التشريعات المناسبة، والتي تنظم العملية التعليمية، ويسهل عملية التقييم والاعتماد.
إيجابيات وسليبات ..
ويضيف الدكتور جمعة : إن من أبرز إيجابيات التعليم المفتوح : قبول أعداد كبيرة جداً من الدارسين وفي كل التخصصات، توفير مبالغ ضخمة يتم صرفها الآن على التعليم الجامعي والتعليم العادي التقليديين، تعدد طرقه ووسائله بحيث يمكن استخدام الفصول الإلكترونية وصفحات الشبكة العنكبوتية والبريد الإلكتروني والمنتديات التعليمية ورسائل الجوال والبث التلفزيوني ... أما السلبيات : فأولها عدم وجود مختصين بالعالم العربي، عدم توفر مناهج باللغة العربية قادرة على تقديم التعليم المفتوح، عدم وجود المدرسين المؤهلين في هذا التخصص، محدودية نظرة التعليم العالي إلى التعليم المفتوح وهذا ناتج عن عدم إدراك أهمية هذا التعليم ومخرجاته وأهدافه، وأخيراً الموقف السلبي من القطاع الخاص تجاه هذا التعليم ومخرجاته.
تيسير على الطالب والجامعة ..
٭ الدكتورة صباح بهكلي الأستاذ المساعد بكلية التربية للاقتصاد المنزلي والتربية الفنية بالرياض تقول : تقنيات التعليم عن بُعد من أهم التطبيقات الحديثة التي قدمت للعلم خدمات جليلة وساهمت في نشره هذا علاوة على ما أضافته الوسائل من تيسير على الطلبة والجامعات في آنين معا . كيف؟ إن الجامعات التي استغلت هذه الوسيلة قد ساهمت - وبشكل كبير - في التقليل من الضغط المتنامي على قاعاتها وخففت أيضاً من المجهود المضاعف الذي تطالب به أعضاء هيئة التدريس فيها، كما أنها تلبي احتياجات وظروف الطالب وتوصل أو تقدم له المعلومات بطريقة سريعة وتكفيه مشقة التنقل والسفر وما يترتب على ذلك من مصروفات قد ترهق كاهله، لكن هذا النوع من التعليم لا يتناسب مع جميع التخصصات، لأن هناك بعض المجالات تحتاج إلى الاحتكاك المباشر بين المدرب والمتدرب وبالتالي فإن هذا النوع يكون الأسلوب الأمثل لها هو الدراسة التقليدية في القاعات ومعامل التطبيق، وعلى كل حال هذا النوع من الدراسات لا يتقدم إليه إلا فئة محدودة.
سلبيات وإيجابيات ..
وتضيف : لكن ولأن لكل شيء إيجابيات وسلبيات فإن من أبرز السلبيات التي قد تعيق أو تحد من فعالية هذه الطريقة قلة الموارد المالية، وجود ارتباط بعمل لساعات طويلة، وعدم احتكاك الطالب بالمعلم وخاصة في التخصصات التي تحتاج إلى تدريب عملي ... كما أن هناك مشكلة بالنسبة للطالب العربي وهي اللغة الانجليزية حيث أن اغلب التعليم عن بعد يتم طرحة باللغة الانجليزية. لكن .. وحتى نتغلب على هذه السلبيات لا بد لنا من حصر شامل لهذه السلبيات وفرزها ثم تحليلها وإيجاد الحلول أو البدائل التي تساعد على إنجاح هذه التقنية المتطورة والسريعة.
زمن الشهادات ..
وعن مسألة الاعتراف بهذا النوع من التعليم تقول الدكتورة صباح : في هذا الزمان لا يتم الاعتراف بالعلم كمبدأ ولكن الاعتراف للشهادة حتى وإن كان حاملها لا يفقه شيئاً في مجال تخصصه، أما من يتعلم ليساهم بنشر العلم فلا يوجد مكان له في هذا الزمان .. زمن الشهادات ... وعلى العموم - وللخروج من هذه الحالة - لا بد من إيجاد جهة محددة تتولى الإشراف التام والدقيق على التعليم عن بعد .. ليتسم بالمصداقية .. ولا أعتقد أن هناك أفضل من الجامعات الرسمية للقيام بهذا الدور، كما أنه يجب أن توضع معايير محددة كشرط للاعتراف بالشهادات الصادرة عن جامعات أجنبية، كأن توضع اختبارات لقياس القدرات، أو تعاد مناقشة البحوث الأكاديمية التي حصل عليها حملة هذه الشهادات.. فأغلب الجامعات المفتوحة تستعين بأساتذة من نفس الجامعات المحلية لا تعترف بشهاداتها لإجراء الامتحانات والإشراف على البحوث والرسائل العلمية، ولا أدري أين يكون وجه الاعتراض هنا؟!!.
المرونة مطلوبة ..
وتختم البهكلي كلامها بقولها : الخلاصة .. وما أريد الوصول إليه .. يجب أن تكون هناك مرونة معقولة لتقبل مثل هذه المستجدات التي بدأت تفرض نفسها على الساحة التعليمية ومحاولة الاستفادة منها وتوجيهها التوجيه الجيد بما يحقق المصلحتين الخاصة والعامة. خاصة وأننا مقبلون على الدخول في تطبيق اتفاقية القات والتي تفرض علينا قبول كثير من الأمور .. كإلغاء أي قيود غير مبررة مثل عدم الاعتراف بالشهادات والدرجات الأكاديمية والذي قد يؤدي إلى الدخول في قضايا وتعويضات من جانب الجهة التي لم يعترف بدرجاتها العلمية إن كانت هذه الجهات مراكز أكاديمية عريقة، لذلك فإن وجود آليات معقولة ومقبولة لتنظيمها هو الحل الأنجع.
ضرورة ملحة ..
٭ العقيد مهندس دكتور/ عبدالوهاب بن محمد عطي بكالوريوس وماجستير في علوم الحاسب، دكتوراه في هندسة الحاسب والهندسة الكهربائية، محاضر في عدد من الجهات الأكاديمية، إضافة إلى عمله بمركز المعلومات الوطني يقول : يعتبر تطبيق نظام التعليم عن بعد من الضروريات الملحة في ظل عدم قدرة الجامعات على استيعاب الأعداد الكبيرة من خريجي الثانوية العامة، وكذلك الراغبين من أفراد المجتمع في الحصول على مؤهلات علمية ولا توجد لهم فرصة في الالتحاق بالجامعات بسبب ضيق الوقت أو المسافة أو بسبب الإعاقة الجسدية، هذا بالإضافة إلى أن التعليم عن بعد يساهم في رفع مستوى الأساس المعرفي للعاملين والموظفين دون الحاجة إلى ترك أعمالهم للحصول على الشهادات المطلوبة.
شرائح مستفيدة ..
وعن إيجابيات التعليم يقول الدكتور/ عبدالوهاب من أبرز الإيجابيات؛ سهولة التحصيل العلمي والمعرفي لشريحة كبيرة من المجتمع وخاصة المرأة، إذ بإمكانها التعلم داخل بيتها، كما يتيح الفرصة لذوي الإعاقة الجسدية من الحصول على التأهيل العلمي اللازم لنيل فرص التوظيف. كذلك انتشار المعرفة للرقي بالمجتمع باكتساب المعرفة والحقائق العلمية واكتساب المهارات والقدرات والاعتماد على الذات ليكون المجتمع قادرا على التفاعل مع متغيرات ومتطلبات العصر، توسيع نطاق التعليم وتوسيع فرص القبول المرتبطة بمحدودية الأماكن الدراسية. أن التعليم عن بعد باستخدام الإنترنت يولد القدرة على تغيير نمط التعليم من السماع إلى التفاعل والقدرة على الاستيعاب، وكذلك الاستذكار والمراجعة الذاتية مما يساعد على رفع مستوي الطالب التحصيلي .توفير العنصر الزمني بحيث يتمكن الطالب من الوصول الفوري للمعلومة في أي مكان وزمان.
جوانب سلبية ..
ويضيف أن من أبرز السلبيات الاعتماد على استخدام الوسيلة الإلكترونية وإهمال التفاعل المباشر مع المعلم والطلبة في الفصول الدراسية والتي تنمي الملكات عند الطالب وتخلق روح التنافس والتحصيل. وتسبب أيضا غياب دور المعلم الذي هو رأس العملية التعليمية والتربوية ومفتاح التعليم. كما أن التلقي المستمر للتعليم بواسطة الكمبيوتر والإنترنت يسبب قضاء ساعات طويلة مستمرة على الجهاز مما يتسبب بانقطاع الطالب عن العالم المحيط به وترجح وحدته مما يسبب ضعف الجانب الاجتماعي ومهارة التعامل مع الآخرين. أيضاً المشاكل الصحية التي تنشأ بسبب البقاء لفترات طويلة أمام شاشة الجهاز والتي تعرضه للمجال الكهرومغناطيسي والإشعاعي. إضافة إلى أمراض العظام والظهر والرقبة والمفاصل وضعف العضلات والبصر.
سبل المعالجة ..
ويقترح عدداً من سبل المعالجة وتجاوز السلبيات فيقول : ضرورة تثقيف المجتمع حول مبادئ التعليم عن بعد وإيضاح إيجابياته وسلبياته وكيفية الاستفادة المثلى منه وكيفية التغلب على سلبياته، أيضاً من الخطوات المهمة تطبيق التوجه الوسطي بين تطبيق التعليم عن بعد والتعليم المنتظم وذلك بإيجاد فصول دراسية تفي بحاجة الطالب لاكتساب الطالب المهارات المطلوبة وإلزامه بالحضور في أوقات تتناسب مع ظروفه (في أوقات المساء وإجازات نهاية الأسبوع). أيضاً يجب إيجاد جهات أكاديمية إشرافية دائمة مسئولة عن وضع أسس التعليم عن بعد واعتماد مناهجه وتقييمه بشكل مستمر لرفع مستواه ليكون دوما في مستوى التعليم المنتظم.
التطبيق والاعتراف ..
ويختتم الدكتور عطي كلامه قائلاً : إذا كان تحصيل الطالب للعلوم واكتساب المهارات المطلوبة عند التحاق الطالب بمؤسسات التعليم عن بعد مساوياً لتحصيله عند التحاقه بمؤسسات التعليم المنتظم فأرى وجوب الاعتراف بهذه الشهادات خصوصا إذا كانت تحت إشراف جهات أكاديمية معتبرة.