د. إبراهيم بن عبدالله المطلق
كبار العلماء هم المرجعية الشرعية وهم المعنيون بقول الله تعالى: {..فاسألوا أهل الذكر إن كنت لا تعلمون ٭ بالبينات والزبر} ومن المعروف ان كبار العلماء برئاسة سماحة المفتي العام - حفظه الله - هم أهل الحل والعقد فيما يخص المسائل الشرعية والشؤون الدينية والانكار على المخالفات الشرعية فهم جهة رسمية مأذونة وهم مكان ثقة المجتمع علمياً وفكرياً ومنهجياً بما يتصفون به من علم عظيم وورع كبير وخشية لله تعالى وخوف منه.
وقد أكمل الله لنا الدين قال سبحانه: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً} وتركنا صلى الله عليه وسلم على محجة بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلاّ هالك.
ومن المتفق عليه ان العبادات توقيفية بمعنى أنها موقوفة على الشارع والنصيحة من العبادات والمطلوب الدليل من الكتاب أو السنة أو فعل الصحابة رضي الله عنهم على شرعية مثل هذا الأسلوب في النصيحة ان كان القائمون به يتعبدون الله بهذا العمل ويعتقدون وجوبه وشرعيته وان كانوا لا يرون انه من الدين فماذا يكون؟ ظاهرة بيانات الانكار الجماعية ماذا تعني؟ وأي علماء هؤلاء؟ ومن منحهم هذا اللقب؟ وكيف رضوا بذلك؟ أين الورع وأين خشية تزكية النفس؟ ثم ان هؤلاء بعضهم يعمل مدرساً والآخر إمام مسجد والثالث طبيباً والرابع مهندساً والخامس داعية والسادس مفكر!! هل تعني هذه الظاهرة الخروج على المرجعية الشرعية وعدم الاعتراف بهم ونزع الثقة منهم؟ أم تعني العمل على إيجاد فجوة بين المجتمع وكبار علمائه أم تعني اشاعة الفاحشة في المجتمع؟ أم تعني العمل على اشعال فتنة عمياء أم ماذا؟ إن إصدار مثل هذه البيانات يعني تفريق المجتمع وزرع الشقاق والخلاف في الأمة كما يعني المخالفة الصريحة لدعوته صلى الله عليه وسلم بلزوم جماعة المسلمين وإمامهم كما يعني اتهام دولة أسست على الكتاب والسنة بتركها العمل بالكتاب والسنة وهو اتهام باطل مغرض حاقد كما أنه يعني ايغار صدور العامة بعامة والناشئة بخاصة على ولاة أمورهم وعلى علمائهم كما انه يعني اشعار العدو المتربص بوجود خلاف داخلي وبوادر شقاق وافتراق مما يزيد فرص تربصه ويزيد في محاولاته لاختراق صفوفنا وغزونا فكرياً أو عسكرياً. أظن ان ما يقع في المجتمع من منكرات ومخالفات وربما فتن قد مرت بالأمة عبر العصور وفي زمن ملئ بجهابذة من العلماء والفقهاء منذ عصر النبوة إلى يومنا هذا ومن أكبر وأشد ما حصل فتنة الخروج على عثمان رضي الله عنه وقتله وما تلا ذلك من الفتن وما تلا ذلك من المنكرات والمخالفات ومع ذلك لم يعهد ان الصحابة خرجوا ببيان جماعي ينكر على قتلة عثمان وفي عصر الإمام أحمد بن حنبل وفتنة القول بخلق القرآن افتتن العلماء والناس أجمعين بفتنة عظيمة ومع ذلك لم يسطر لنا التاريخ أيضاً خروج جملة من الأئمة والعلماء آنذاك ببيانات انكار وتحذير بل وفي عصورنا المتأخرة ومنذ وحدت هذه البلاد لم يعهد خروج عدد من علمائنا الذين يعد فعلهم حجة ودليلاً أمثال الإمام محمد بن إبراهيم آل الشيخ والإمام عبدالعزيز بن باز والإمام محمد بن عثيمين رحمهم الله تعالى ببيانات انكارية تحذيرية جماعية.
أعتقد ان الشارع الكريم قد أرشدنا إلى الأسلوب الأمثل في الدعوة إلى الله تعالى قال تعالى: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} وأرشد النبي الكريم صلى الله عليه وسلم إلى الأسلوب الأمثل في تقديم النصيحة ومن ذلك الاخلاص والسرية والخروج في بيانات جماعية يخشى منه افتقاد الاخلاص واستبداله بحظوظ النفس واشباع نزوتها وميولها واتباع الهوى.
إن اعطاء الضوء الأخضر لمثل هذا الإجراء الخطير يشكل خطورة كبرى تكمن في سحب البساط من تحت المرجعية الشرعية الرسمية وإيجاد مرجعية شرعية تطوعية جديدة ربما تقوم في زمن من الأزمان على منهجية منحرفة وفكر ضال يملي على الناشئة الآراء والأفكار والفتاوى في بيانات جماعية عبر منتديات ومواقع الكترونية تنتهي بإيجاد جيل تكفيري جديد وزرع خلايا جديدة تؤمن بالحزبية رباً لا شريك له وبالتفجير وسيلة تدميرية هامة.