عفواً وزارة الصحة.. صرف الدواء مهمة الصيدلي فقط!
طالعتنا صحيفة الرياض يوم الأحد الماضي ( العدد 13852) بخبر قضّ صدور المهتمين بالشأن الصحي، وهو صدور تعميم إداري من وزارة الصحة يسمح لفئة من غير الصيادلة بصرف الأدوية! وهو أمر يثير الاستغراب والعجب، ويطرح العديد من التساؤلات على طريق تطوير المنظومة الصحية في بلادنا.
هذا القرار والذي أثار مجتمع الصيادلة والصيدلانيات من أبناء هذا الوطن المعطاء يضرب بعرض الحائط لجميع الأنظمة والقوانين الصحية المعمول بها في كافة أنحاء العالم وخصوصاً البلدان المتقدمة، ومنها المملكة العربية السعودية، حيث وحسب المادة الثالثة والعشرين من (نظام الممارس الصحي) الصادر بالمرسوم الملكي الكريم رقم م/53 وتاريخ 4/11/1426ه ونظام ( مزاولة مهنة الصيدلة والاتجار بالأدوية والمستحضرات الطبية) الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/18 وتاريخ 18/3/1398ه يحضر صرف الأدوية إلا من قبل صيدلي مرخص، وهو بالمناسبة كل من يحمل شهادة بكالوريوس علوم الصيدلة أو الدكتوراه في الصيدلة من إحدى كليات الصيدلة بالمملكة أو ما يعادلها حسب المادة الأولى من (نظام المنشآت والمستحضرات الصيدلانية) الصادر بالمرسوم الملكي الكريم رقم م/31 وتاريخ 1/6/1425ه.
كما أن الفقرة (ب) من المادة التاسعة من نظام الممارس الصحي تنص على أنه لا يجوز للممارس الصحي - في غير حالة الضرورة- القيام بعمل يتجاوز اختصاصه أو إمكانياته، فضلاً عن تعارضه مع المادة الثانية عشرة والتي تؤكد على عدم جواز مزاولة الممارس الصحي أكثر من مهنة واحدة، ويتعارض مع المادة الثالثة والعشرين التي تؤكد في البند الثالث من الفقرة (أ) على أن الصيدلي هو فقط من يصرف الأدوية، كما أن الفقرة (ب) من المادة الثالثة والعشرين تؤكد عدم السماح لفني الصيدلة أن يصرف الوصفة الطبية إلا تحت إشراف صيدلي مرخص له، لذا فإن عدم السماح لطاقم التمريض بصرف الأدوية يكون من باب أولى! ، فضلاً عن أن تنفيذ هذا القرار قد يوقع الممارس ضمن اختصاصات الفرع الثاني المادة الثامنة والعشرين من نظام الممارس الصحي، وخصوصاً الفقرة الأولى منه وهي مزاولة المهن الصحية دون ترخيص!
ومن المعلوم أن مهمة صرف الأدوية تقع على سلم المسؤوليات المتعددة للصيدلي، نظراً لتخصصه العلمي وتدريبه المهني، ولقد أثبتت الدراسات ضرورة أن يقوم على صرف الأدوية صيدلاني، دون غيره من التخصصات الصحية، حيث أنه يقضي ما يزيد عن الخمس سنوات وهو يقطف من ثمار علوم الصيدلة المتنوعة، ويصبح ذا ذخيرة علمية عالية الجودة مميزة المحتوى، ولقد نشرت في صحيفة (الرياض) قبل شهور قليلة مقالا طويلاً يتحدث عن الأثر الإيجابي الملموس للصيادلة على مستوى الرعاية الصحية من واقع دراسات علمية نشرت في مجلات علمية رصينة.
و للحقيقة فإن صدور هذا التعميم يثير العديد من التساؤلات، وخصوصاً مع التقدم المتسارع في الخدمات الصيدلانية المقدمة في المملكة، والنمو المتواصل في أعداد الصيادلة الخريجين، حيث بلغ عدد كليات الصيدلة في المملكة حتى تاريخ كتابة هذا المقال إحدى عشرة كلية حكومية وخاصة، من المتوقع أن يبلغ عدد خريجها خلال السنوات القادمة ما يزيد عن 1500 صيدلي وصيدلانية سنويا!
إن مسؤولية الصيدلي عن صرف الدواء تفوق مجرد معرفته الكيميائية بالمركب الدوائي ولا تنتهي بإلمامه التام بالتداخلات الدوائية والغذائية، بل تنطلق من تفعيل تطبيقات مبادئ (الرعاية الصيدلانية) والذي تزيد الصيدلي قربًا من المريض وتجعله مساهماً رئيساً في الخطة العلاجية والرقابة الدوائية، إن هذا المفهوم الذي يبدو جديدًا على البعض من متخذي القرار الصحي يعتمد على مبدأين أساسيين هما العناية المباشرة وأخلاقيا ت المهنة على التوالي. في عام 1990 قدّم الأستاذان هبلر وستراند التعريف الشهير للرعاية الصيدلية بأنها:مسؤولية تقديم العلاج الدوائي بهدف تحقيق نتيجة محددة تحسن من حياة المريض.بينما عرفها الملتقى الصيدلي السعودي الأول (الجبيل1999م) بأنها:التقديم المسؤول والمستمر للعلاج الدوائي للحصول على نتائج محددة تهدف إلى تحسين حالة المريض الصحية والحياتية، هذا ويقوم الصيدلي بدور فعال ومهم ضمن إطار العملية الطبية، ويتولى مسؤولية توفير وضبط إمداد الأدوية والتحكم في احتياجات المجتمع منها، ويضمن الاستعمال المأمون لها. وكذلك يقوم الصيدلي بالإشراف على عمل (فني الصيدلة)، الذين تضغط وزارة الصحة على الهيئة السعودية للتخصصات الصحية بهدف وقف قبول الطلاب في هذا المجال الحيوي، وكأن الوزارة اكتفت من الكوادر التمريضية، حتى أنها بدأت مؤخرًا بإسناد مهام تخصصات أخرى لهم! ومن المعلوم أن النقص في كوادر التمريض وخصوصاً النسائية يفوق النقص في مجال الصيدلة بشكل كبير وملاحظ.
إن الاستفادة القصوى من علوم الصيدلة المتنوعة، تقود إلى رقي وتطور في كفاءة وجودة مخرجات نُظم الرعاية الصحية، سواء ضمن دائرة العلاج أو الوقاية، أو ضمن خطوط الرعاية الأولية أو الثانوية، ولقد لوحظ أن زيادة مساهمة الصيادلة بمختلف تخصصاتهم ضمن منظومة الرعاية الصحية الشاملة قد أدى إلى مزيد (هائل) من الحفاظ على الأرواح والأموال أيضاً.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هل هذا القرار صدر بناء على دراسة علمية تجاهلت التجارب العالمية الناجحة والتخصص الفني، وأنه مجرد قرار إداري لم يدرس ويقف بمواجهة أنظمة صحية صدرت بمراسيم ملكية نتيجة دراسة لجان علمية ومهنية متعددة!، وللحقيقة إن خطورة هذا القرار تكمن في تطبيقه الذي سوف تكون آثاره جسيمة، نظرًا لأنه سوف يطبق في مراكز الرعاية الأولية والمستشفيات الطرفية التي تفتقد للكوادر الصيدلانية مما يفاقم المشكلة ويزيدها نظرًا لأن الرعاية الأولية هي خط الدفاع الأول للمجتمع، والعجيب أيضاً هذا التجاهل من القطاعات الصحية المختلفة تجاه البطالة التي بدأت تضرب بأطنابها على حديثي التخرج من الصيادلة والصيدلانيات، حيث سوف تقوم بإسناد مهامهم الحيوية للممرضين ممن هم مؤتمنين على مهام ذات مسؤولية كبيرة مثل الصيادلة وغيرهم من الممارسين الصحيين. لقد قدم الصيادلة والصيدلانيات الكثير لمنظومة الرعاية الصحية في بلادنا الغالية، وهم على أهبة الاستعداد الدائم والمتواصل لتقديم الكثير والقيام بدورهم على أتم وجه متى ما أعطيت القوس لباريها.
٭ باحث دوائي، ومتخصص في الإدارة الصيدلية