من الممكن أن يتساءل المرء عن أهمية المعرفة وتأثيرها على تطور فكره، وقد يقول أحدهم بأن المعرفة لن تكتمل دون كتاب جيد ودون أساس تراثي يجمع القديم بالحديث، وجميعنا يدرك مقدار ما تمتلكه المكتبة العربية من تراث فكري تعمق في النظريات الفلسفية وفي الأدب والترجمة وتنقب في علم الفلك دون أن ننسى الأبحاث العلمية في الطب والفيزياء والكيمياء، وإلى ما هنالك من مواضيع مختلفة تتطلب الكتابة عنها مجلدات وأعوام. لكن وللأسف عديدة هي الكتب التي فقدت عبر التاريخ أو حتى أهملت فأصابها التلف وأصبحت في طي النسيان.
انطلاقاً من هذه الأسباب وللمحافظة على التراث الفكري خوفاً من الاندثار، ورغبة في تفعيل سوق الكتاب القديم في لبنان، تنظم المكتبة العامة في جامعة الكسليك في جونيه- شرق بيروت اللقاء الوطني الثاني لمحترفي الكتب القديمة والذي يحمل عنوان «معرض الكتب القديمة والمحفوظات والمخطوطات».
كان الافتتاح أمس الأول برعاية وحضور وزير السياحة اللبناني جو سركيس في باحة المكتبة العامة في الجامعة. بدايةً تكلم رئيس الجامعة الأب أنطوان الأحمر مرحباً بالحضور في هذا اللقاء التراثي الثقافي حول الكتب القديمة والمخطوطات معتبراً أن تنظيم هذا المعرض يصب في جوهر رسالة الجامعة التي لا تكتفي بتأمين البرامج التعليمية بل تعنى عناية خاصة بالتراث الثقافي وقال «على الصعيد العملي قامت الجامعة بتوسيع مخازن المكتبة العامة وتجهيزها بمختبرات متطورة لترميم الكتب العتيقة والمخطوطات الثمينة عبر قاعات خاصة وذلك من أجل الحفاظ عليها».
وتحدث حافظ المكتب الأب جوزيف مكرزل مشيراً أن هذا الملتقى واحة ثقافية تتناغم فيها ألوان قوس قزح وتختلط في زواياها قصص من وراء الزمن تسرد حكايات الرحالة والشعراء والأدباء والفنانين والعاشقين. وأشار مكرزل أن هدف المكتبة العامة في الجامعة هو المحافظة على الذاكرة وتجميعها إضافةً إلى نشرها، ودعا جميع من يملك تراثاً كتابياً قديماً من مخطوطات ومحفوظات وأرشيف إلى القيام بحفظه والتعريف به معلناً «نحن في المكتبة العامة جاهزون للمساعدة لنعمل جميعاً على الكشف عن تراثنا الدفين والحفاظ عليه ونشره بطرق علمية».
وألقى وزير السياحة جو سركيس كلمة معبراً من خلالها عن مدى سروره لرعايته هذا المعرض خاصةً لما يحمل من بعد ثقافي، وقال «هنالك مسألة مهمة بدأت تهز الجامعات في هذا العصر الطالع، وهي المنافسة بين الجامعة والعصر الذي نعيش فيه خاصة مع ثورة الاتصالات والمعلومات وتحويل العالم إلى قرية صغيرة» وأكد أن هذا المعرض ينقل نموذجاً جديداً للعالم بالحفاظ على التاريخ ومواكبة المستقبل.
ويعرض هذه السنة مجموعة من متحف روبير معوض الخاصة، وهي تضم نخبة من الكتب التاريخية وكتب من أدب الرحلة، كانت تعرف سابقاً بمجموعة السفير كميل أبو صوان ومختارات من رسائل مخطوطة باليد كتبها الكردينال ريشليو وبعض من رسائل الأدباء الفرنسيين أيضاً، أمثال فيكتور هوغو وشاتوبريان ورينان وأندريه جيد وغيرهم.
ويزين المعرض لوحات الفنان بول زغبي، ويتضمن بعض تواقيع لكتب صدرت حديثاً، كما يكرم ذكرى المفكر والمؤرخ والباحث والأديب الراحل فؤاد فرام البستاني، إضافةً إلى نقاشات متنوعة من خلال عدة طاولات حوار.