في 23 تموز عام 1931 «تحت رذاذ كأنه ندى، نقل جثمان جبران خليل جبران الى الباخرة «سينارا» على إيقاع «الموسيقى الجنائزية» لتانهوزر. وصلت الباخرة الى مرفأ بيروت في 21 آب، وكان استقبال الراحل الكبير فريدا بنوعه. وبعد الجنازة في كاتدرائية مار جرجس المارونية، سار الموكب بين النّدب والحداء الى دير مار سركيس، وقد اشترته أخته مريانا وجعلته مدفنا له، وكان طابع الفرح بدخول الفاتح تحت أقواس النصر المنصوبة على طول الطريق يطغى على طابع الوداع. وأخيرا رقد جبران في الصومعة المحفورة في الصخر المطلّة على أروع ما تقع عليه العين في الوادي المقدّس، تلك الصومعة التي طالما منّى نفسه بالعيش في وحدتها المغبوطة وظلّها الحنون. ودنت من النعش امرأة مجلّلة بالسواد واختلست من بين الشفتين الجامدتين قبلة وتوارت. وكانت هذه المرأة حلا الضاهر».
هذا الفصل الأخير من حياة الأديب اللبناني العالمي جبران، كتبه الدكتور جميل جبر في سيرة «جبران في حياته العاصفة» واستعدناه بتأمل ونحن نقف أمام منحوتة خشب الأرز التي تغطّي قبر جبران، في دير مار سركيس في بشري، الذي تحوّل متحفا لأعمال جبران عام 1995.
لاذ جبران الصغير قبل غربته الى الولايات المتحدة الأميركية في أحضان هذا المكان الصخري الغارق في خضرة تنفتح على حفّة مهوى تمتدّ قبالته طرابيش القردميد البشراوية. يتلحف هذا المكان بالينابيع وعبير الأزهار وخضرة الشجر والأعشاب، وتغطيه شتاء الثلوج المتراكمة ويجاوره أرز الرّب الجليل.
يصعقك جبران حتى بعد مرور 75 عاما على مماته في 10 نيسان عام 1931، و قرب جسده المسجّى داخل تابوته الرمادي، تشعر بقوّة حضوره، وما ينقّزك كلمات حفرها بنفسه على خشبة أرز قال فيها أنه حيّ مثلك وإن نظرت جيّدا تراه.
رأيناه في زوايا هذا المكان المفعم بحياته ولكن أيضا المضمّخ برائحة العفونة المتأتية من مستويات الرطوبة العالية الموجودة في الجبل العالي. أثاث غرفته بني اللون، قاتم، مكتبته الخاصة، طاولته الشخصية بالإضافة الى مخطوطات ولوحات تشكّل اليوم محتويات متحف جبران.
هذه المحبسة الصخرية التي تحوّلت متحفا لجبران هي مغارة قديمة تعاقب فيها الحبساء منذ القرن السابع للميلاد. وقدّ عبّر جبران وهو في نيويورك عن رغبته منذ العام 1926 بشراء هذا الدير ليجعل منه «صومعة» ومن المحبسة مثواه الأخير. في 22 آب عام 1931 وصل جثمان جبران الى بشري فابتاعت أخته مريانا الدير وملحقاته منفّذة جزءا من وصيّة شقيقها بأن يدفن في المحبسة. أما تحويل الدير الى متحف فلم يتحقق إلا سنة 1975 مما اقتضى إنشاء جناح في الجهة الشرقية يوصل طابقي الدير ببعضهما. وتحقق إنشاء طابق ثالث سنة 1995 وزوّد المتحف بالأجهزة الملائمة. وشهدت المرحلة الثالثة إبتداء من صيف 2003 تأهيل محيط المتحف وتوسيع طرقه ومواقفه وساحاته بغية جعله مرفقا سياحيا وثقافيا مميّزا.
