المبدع.. وكأس العالم
«وقفت دون اشعر، وصرخت كالمجنون» هذا ما فعله الناقد سعيد السريحي عندما سجل اللاعب سعيد العويران هدفه التاريخي في مرمى المنتخب البليجكي في عام 94، ولكن السريحي الذي تفاعل مع هدف العويران بتلك الحرارة يقول: طوال حياتي لم احضر أي مباراة في ملعب كرة القدم. هذه القطعية هل تمثل انموذجا للمبدع والمثقف في مواقفه مع الرياضة بشكل عام ومع كرة القدم على وجه التحديد!. ففي مجالس المثقفين تجد هناك شيء من التحسس تجاه كرة القدم، البعض يعتبر انها سرقت الجماهير من القراءة، البعض الآخر يرى ان نجوم الكرة يحصدون مكاسب مالية وجماهيرية اكثر مما يستحقون اصبحت المواقف السلبية للمثقف تجاه كرة القدم هي الموقف المعلن.
المبدع السعودي مازال يهوى التحفظ على هوامشه اليومية، لا احد يعرف المقهى الذي يرتاده، ليس هناك نموذج كنجيب محفوظ الذي في سيرته تم تدوين اسماء المقاهي التي يرتادها والتي تحمل امكنتها وعوالمها دلالات مهمة في مسيرته الكتابية، ايضا لا احد يعرف النادي الذي يميل إليه المبدع. القليل من يصرح بميوله تجاه نادٍ معين، الدكتور عبدالله الغذامي في احدى حواراته لمجلة الجيل، أعلن عن ميوله الاتحادية، والراحل عبدالله نور كان لاعباً رياضياً، وهناك عدد لا بأس به من المثقفين عمل في ادارات الأندية الرياضية.. وعلى المستوى العربي نجد الكثير من المبدعون في مصر يعلنون عن ميولهم الكروية بكل راحة بال. فالشاعر محمد بنيس صاحب الميول الزرقاء يكتب بحرفنة النقاد الرياضيين عن نجوم ومباريات كرة القدم، كذلك لا ننسى الكاتب عبدالله بن بخيت وتحليلاته العميقة عن الهلال والنصر. ويبدو النموذج الاهم لتعاطي المثقف مع كرة القدم ما نرصده في مسيرة رئيس تحرير جريدة الرياض الاستاذ: تركي السديري الذي عمل في ادارة نادي النصر في مرحلة سابقة. وايضا اشرف على القسم الرياضي بالجريدة. وكذلك النموذج الآخر في الاشراف على القسم الرياضي الدكتور هاشم عبده هاشم. اذن الامر لا يبدو سلبيا تماما في تعاطي المبدع والمثقف مع الرياضة.
المونديال الرياضي الاهم اقترب موعده، فمباريات كأس العالم لا تحظى بمشاهدة المولعين بمباريات كرة القدم فقط، هناك شرائح اخرى تنجذب لهذا الكرنفال الرياضي، وتتابعه. تشجع بحساسية المتذوق للمتعة الجمالية التي تقدمها المنتخبات في تلك البطولة. فنجدها تشجع بحماس وتنحاز لفريق معين، وتطرب لأداء لاعب محدد. كيف ينظر المبدع المحلي لهذه الاحتفالية القادمة.. هذا ما نرصده من خلال الاجابات التي كشفت لنا ان المبدع لدينا له هوى رياضي مخبأ. فنجد يوسف المحيمد يتحدث بشاعرية عن فريقه المفضل البرازيل: حين اشاهد فرقة السامبا فكأنما يقودني جورج أمادو إلى نسيج إحدى رواياته، كأنما رونالدو أورونالدينيو هو بطل «الخيمائي» للبرازيلي كويليو، الذي يقاتل لأجل هدفه.
الناقد محمد العباس ينحاز الى الجمالية التي تشكلها الجماهير، ربما حسه النقدي يجعله يقرأ تلك اللقطة الجماهيرية بمنظور آخر: سأتابعه بما تيسر، ليس لدي لاعب أو فريق مفضل. ربما أجد في الجماهير شاعرية أكثر، واظن أن كأس العالم يخبئ دائما مفاجآت. سأبحث عنها كلاعبين او فرق واتوقع نجماً عربيا. ويشترك القاص والمصور مصلح جميل مع العباس في تلك الرؤية. وربما طغى هاجس الكاميرا لدى المصور مصلح فذهب تركيزه الى ردة فعل الجماهير مع الكاميرا التي ترصد انفعالاتهم يقول مصلح جميل: رغم اني مقاطع لكرة القدم محليا إلا انني سأتابع مباريات المنتخبات الكبيرة ولن يكون لدي ولاء لأي فريق وهذا ما سيجعلني اشعر ان متابعتي ستكون ممتعة، متابعة «اللعبة الحلوة» وسأحرص اكثر على مراقبة الجماهير الذين تلتقطهم كاميرات التصوير فحركاتهم ووجوهم واهازيجهم ممتعة ايضا.
القاص وصاحب رواية عمر الشيطان الصادرة حديثا عبدالحليم البراك يستعين بولده الصغير «بدر» في معرفة نجوم المونديال ويقول: سأتابعه، واحرص على ان يكون بجواري رئيس رابطة مشجعي السيدة العجوز «جوفوتنس» في منتديات كويت سبورت «ابني بدر» حتى يختصر لي اسماء النجوم الذين فقدت معرفتهم بفعل السن، ولا اتوقع من الاخضر ان يقدم ما نطمح إليه بينما الناقد والشاعر حامد عقيل ينحاز تماما الى منتخب تشوسلوفكيا: التشيك واللاعب نيدفد، وليكن الكأس للتشيك بمشيئة الرب، ولا اتوقع من المنتخب السعودي شيئا بكل تأكيد، وهناك منتخبات تأهلت وهي لا تملك المستوى الجيد. وكنت اتمنى انها لو تركت مكانا لمنتخبات اخرى قادرة على امتاعنا. وبينما ينحاز حامد عقيل للاعب التشيكي نيدفد نجد القاص والناقد ناصر الجاسم ينحاز لمشاهدة اللاعب نواف التمياط: سأتابع مباريات كأس العالم باهتمام واحب مشاهدة نواف التمياط، واتوقع فوز البرازيل بالكأس. الناقد علي المالكي يتساءل عن متابعة المونديال ويكشف عن ميوله لفرقة السامبا البرازيلية: وما المانع؟ اليس الابداع مزيجاً عجيباً من المتعة والفائدة غير المباشرة؟ وقد نجد في بعض المباريات شيئا من الابداع، فلماذا لا نتابع إذا وجدنا فسحة من الوقت، وربما سأتابع المنتخبين السعودي والبرازيلي. وخاصة اللاعب رونالدينيو، واتوقع فوز المانيا بالكأس.
الناقدة امل الطعيمي لا تعير كرة القدم اهتماما ولكن لمشاركة المنتخب السعودي في المونديال يجعلها تكتفي بنتائج المنتخب السعودي: لا اهتم بالكرة، سأكتفي بنتائج المنتخب وتشاركها في الرأي الناقدة لمياء باعشن ولكن برؤية متطرفة تجاه لعبة كرة القدم وتقول: كرة مدورة يتكالب عليها ويتسابق خلفها رجال شداد ذو عضلات، فقط ليركلوها بأقدامهم ثم يسعون وراءها اذا ابتعدت، وهدفهم الدفين دفعها داخل الشباك.. لا تروقني، قصة مكررة وأن امتعت الذكور! من يفوز «سيان بينما للقاصة أميمة رؤية اخرى مختلفة تماما عن الابداع الكروي الذي يتحقق في المونديال: لما تقول عن الابداع كرة القدم في قلب الابداع/ هي منجز بشري استطاع ان يرتقي بشهوة الحروب والقتال بين الشعوب الى سحر الملاعب. الشاعرة فوزية ابوخالد تكشف لنا عن خصوصية ودقة متابعتها الكروية فتختار ميسي النجم الارجنتيني كنجم مفضل تهوى مشاهدة فنه الكروي: من قال كرة القدم بعيدا عن الابداع اليست تلك الرياضة بما تجترحه من انتفاضات النبض وركض اوميس الدورة الدموية ابداع جماعي. وتشجيعي سوف يكون من نصيب الارجنتين. وميسي النجم الارجنتيني هو من احب مشاهدته. وتضيف ابوخالد: بالنسبة لهواي الوطني، فأتمنى فوز الاخضر، وأن كنت اعلم أن مانيل المطالب بالتمني. بينما القاصة فوزية الحربي تؤكد بأنها لا تتمتع بأي ثقافة كروية: ليس عندي ثقافة أو معرفة بمباريات كرة القدم.. وليس لدي نية لتطوير ثقافتي الكروية، لذا لا اعتقد أنني سأهتم او اتابع مباريات كأس العالم. والقاصة ليلى الاحيدب ترى ان وجدت الوقت ستتابع المباريات، وتعلن عن ان فريقها المفضل المنتخب البرازيلي. وتجد في رونالدينيو قمة الإبداع الكروي. ولا تنسى الاحيدب بأن يكون التوفيق حليف المنتخب السعودي.
اما القاص محمد البشير فيقدم رؤية تتسم بالدقة والمتابعة: طابع كأس العالم فباق ما بقيت الكأس الذهبية وما بقي التنافس والتصارع عليها، وما بقي الابتكار والرقي والتحديث نحو الأفضل، وهذا ما نراه في كرة القدم، فياليت الثقافة تنحو نحو الرياضة في وسائل جعلها أولوية لا ثانوية رغم ثانويتها وأولوية الثقافة. وأظن الفارق في طابع كأس العالم انشغالنا عن حمى مشاهدته لضيق الوقت. أما المنتخب المفضل بعد المنتخب السعودي فهو المنتخب البرازيلي، واللاعب المفضل ذلك اللاعب الذي تنبأت بسمو نجمه (رونالدينو) بعد تسجيله في سن مبكرة - ومازال- أهدافه في شباك المنتخب السعودي إبان كأس القارات وأظن أن المنتخب البرازيلي في أوج كفاءته هذا العام لنيل كأس العالم. وهناك وشائج بين الكرة والثقافة، حتى في لغتهم سرقوا بعض الألفاظ كجملة تكتيكية وغيرها، وكأننا أمام تنظيم هجمة مقابل بناء روائي لمقابلة المفارقة.