بحث



الخميس 5 جمادى الأولى 1427هـ - 1 يونيو 2006م - العدد 13856

عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


تحت شعار الشرق والغرب يجتمعان حول بوصلة جديدة
خلوة وادي رم اختتمت ورشتها الفنية

عمان - شيما برس:
    تحت شعار «خلوة وادي رم الفنية:الشرق والغرب يجتمعان حول بوصلة جديدة» نظمت دارالمشرق للفنون بالإشتراك مع المفوضية الأوروبية بعمان ورشة عمل فنية إستلهمها الفنانون المشاركون من عرب وأوروبيين من خلوة وادي رم التي أقاموا فيها نحو أسبوع كامل.

وقد شارك في هذه الخلوة رومى بلهيبة من فرنسا، ودروثيا فليز من رومانيا، وتومي بار من إيرلندا، ومها أبو عياش وسعدي، وبدر محاسنة، ورندا شاهين من الأردن، وجبار مجبل من العراق، وغيرهم من الفنانين التشكيليين.

ويعتبر وادي رم في قلب صحراء الأردن فضاء واسعا للقاء الفنانين التشكيليين كي يستلهموا إبداعاتهم الجديدة التي يجسدونها في ورشة عمل فنية ،إستعدادا للمعرض الذي أقيم في ختام هذا اللقاء الهام بين الفنانين العرب والفنانين الأوروبيين.

وعن الأفكار التي قامت عليها هذه الخلوة في وادي رم أكد السيد جوسي نارفي مسؤول الإعلام والثقافة في المفوضية أن الهدف من هذه الخلوة مشروع مشترك ما بين فنانين عرب وفنانين من الغرب، يؤسّس لحوار سلمي وثقافي ما بين صفوة من الفنانين، يتفاعلون مع المكان، ويثيرون حوارات داخلية فيما بينهم وبين المكان، حتى يعيدوا لهذا المكان اعتباره، فيتفاعلون معه وينفعلون، وينتجون نصاً ثقافياً مميزاً يجسد قيماً إنسانية جديدة نابعة من روح المكان، المتفاعلة مع روح الفنان، في نسيج إبداعي جديد يلغي الحواجز والمسافات التي أقامتها السياسة في طريق هذا الإنسان التائه اليوم في الإتجاهات التي تحددها بوصلة المصالح الإقتصادية والسياسية العالمية الضيقة التي ألغت مقومات الإنسان الأخلاقية وقيمه.

وقد أجمع الفنانون الذين حاورناهم على أن الفن هو الحياة، فهو الطاقة الموجودة دائماً في أعماق النفس، والتي تنتظر أن تنطلق وتحلق عالياً. إنها الأفكار والأحاسيس التي تندفع من اللاوعي لتتشكل في الوعي.

وعن اختيار الصحراء، موضوعا لهذا اللقاء الفني الهام بين أوروبا والعرب قالت الفنانة مها أبو عياش، وهي مديرة دار المشرق للفنون: « إن وادي رم، بالتصنيف صحراء. إلا أنه بالزيارة يصبح تجربة تتخطى الوصف الأحادي، العصي على التحديد والتعريف. فهناك تتراخى البوصلات الذهنية. تضعفها محوريات قطبية جديدة. إن قوة اللغز الطبيعي في وادي رم تقدّم للزائر رؤى جديدة، لا تستطيع اللغة وحدها أن تصفها. في وادي رم يتحول المعنى إلى كلمات، وتتحول الكلمات إلى قول مجزئ، ثم إلى أصداء.

وعن لقاء وادي رم أضافت مها قائلة: « يلتقي فنانونا، شرقيون وغربيون في وادي رم. هناك تتوجه البوصلة نحو قطب داخلي صادق. هناك لا تكفي اللغة وحدها للوصف. هناك يتجدد تقييم التاريخ والمستقبل عبر تقديس الحياة.

أما الفنان الإيرلندي تومي بار فقد وصف لنا نفسه قائلا: «أنا رسام أعيش في شمال أيرلندا. ولدت في بلدة دورمور وأمتلك استوديو للرسم في بلدة بان بريدج، وقد قضيت معظم سنوات حياتي جاعلاً مقري هذه المدن الصغيرة على أطراف العاصمة بلفاست. ولدت ضمن جيل معروف باسم «أبناء المشاكل»، فقد قضى أبناء هذا الجيل جل حياتهم يشاهدون فئات الشعب الأيرلندي وهي تقوم بإيقاع الأذى الشديد ببعضها البعض لأسباب تافهة في نظري. ونتيجة لذلك، فإنني أؤمن بأن جيلي يعي بشكل واضح أهمية الصداقة وقيمة العلاقات الإنسانية المبنية على حسن المعاملة. وبصفتي فنانا أعيش في هذه البلاد، فإنني أيضاً على وعي تام بما تحمله الرموز التجريدية من قوة كامنة تستطيع أن تؤجج مشاعر الناس وتفجر كل ما هو إيجابي وما هو سلبي أيضاً داخلهم، مع الأسف».

وعن تعريفه للفن أضاف تومي بار قائلا:» إنني أرى أن هناك شكلين في الفن، الأول حينما يقوم الفنان بصناعة صورة (أو شئ ما) لخلق أثر خاص، ويمثل هذا الشكل بالنسبة لي الفن التجميلي. أما الشكل الثاني فهو الذي تكون صناعة القطعة فيه مبنية على أساس أنها ترمز لشيء ما، وهو ما أعتبره فناً تعبيرياً. وأنا لا أرى أي اختلاف في القيمة النسبية لكل منهما، لكنني عادة ما أشعر أنني مجبر على إنتاج العمل التعبيري. وأنا أعزو ذلك إلى نشأتي لا إلى قراري الأكاديمي».

«من المهم بالنسبة لي كفنان، عند خلق القطع التعبيرية، أن «أتحدث بلغتها» وأن أقوم بإنتاج أعمال ترتبط مباشرة بتجاربها، وأن استخدم التقنيات والرموز المستقاة من بيئتها. بالطبع، قد ينتج عن ذلك رمز أو أيقونة يراها الناس بشكل مختلف في الأماكن المختلفة أو في الأزمان القادمة. كما قد ينتج عن ذلك رمز أو أيقونة غير مفهومة لجميع الأشخاص، إلا أنها واضحة فقط للأشخاص الذين لهم خلفيات معينة. وأنا لا أتعامل مع هذه المسألة على أنها مشكلة، فعندما يلجأ الفنان إلى التعبير من خلال الرمزية «السهلة» والمعروفة دولياً فإن قوة الرمز تضيع بسهولة في هذه الحالة، وعندما يحدث ذلك يضيع كل شيء بالنسبة لي؟.

أما الفنانة الألمانية دورثيا فليز التي تعتبر أعمالها قطعًا متعددة الوسائط الإعلامية ويتم توثيقها بواسطة الفيديو، وهي أيضاً مُؤسسة ومديرة برنامج «د. فليس وفنانو الشرق والغرب»، فقد قالت تعريفا لنفسا:كنت أعلم، منذ الصغر، أنني أريد أن أصبح فنانة، وعندما بلغت سن التاسعة عشر من العمر حلمت بأنني كتبت سيرة حياتي وبدأت في تأليف الشعر. كنت مأخوذة بالقصص الموجودة في تاريخ الفن، خاصة تلك التي تحيط بأعمال جيان لورنزو بيرنيني، ومايكل انجلو، وليوناردو دافنشي وصراعاتهم. كما كنت مأخوذة أيضاً بكتابات دافنشي على المرايا، مما دفعني لمحاولة تقليد ذلك الأسلوب. إلا أنني وجدت أنه من الأسهل بالنسبة لي الكتابة بيدي اليسرى، فقمت برسم كل الأشياء بهذه الطريقة. وتأقلمت مع هذا الأسلوب لدرجة أنني انزعجت من عدم تصديق مدرّستي في الصف الثاني أني رسمتُ النسر الذي رأته في دفتري. وفي ذلك الوقت اكتشفت أيضاً أن هناك رساماً قد انتقل إلى ضاحيتنا، فقمت باستجماع شجاعتي (دون علم والداي) وطلبت منه أن يعلمني الرسم بالألوان الزيتية. وبالفعل وافق وشرع يعلمني. وحين بلغت السابعة عشر من عمري، أقمت أول معرض منفرد لي. وقد بلغ عدد المعارض الخاصة التي أقمتها 170 معرضًا فرديًا وجماعيًا، في عدة قارات. أما الفنانة الفرنسية، التونسية الأصل فقد قالت لنا:»أنا امرأة فرنسية تونسية أعمل وأعيش بين تونس وفرنسا. وبسبب الازدواج في ثقافتي وتعليمي ولغتي وديني، وجدت نفسي في سن مبكرة مهتمة بالمعاني الكامنة وراء وجودي كإنسان في هذا الكون المحيط بي. إنني امرأة من العالم العربي والدتها فرنسية ووالدها من قبيلة من جنوب تونس (هي في الأصل قبيلة ترتحل باستمرار تعرف باسم «اكاريس»، وقد استقرت جزئياً في بلدة زارزيس). لقد دفعني كل ما سبق إلى طرح أسئلة حول مفاهيم القبائل الرحل، وحول الملكية في عالم نمر به مرور الكرام، وحول تأثير ذلك على طريقة تفكيرنا وأصولنا المرجعية المتعلقة بالأفراد والجماعات. ونفس التساؤلات التي تطفو إلى السطح في وعي الدائم حول الإنسان وما الذي يجب أن يكونه تتجسد أيضاً، بشكل مختلف، حينما أعيش في أوروبا بالرغم من اختلاف الأصول المرجعية. إلا أن المسألة الوحيدة التي تهمني هو البقاء ضمن مجرى الحياة المتدفق والممتلئ بالنشاط، مما يعطي معنى لوجودي... وهذا هو ما يعنيه الفن بالنسبة لي... إنه الرد الحي والمفعم بالمعاني على وجودي.

»كلمة «رومي»، باللغة العربية، تنتهي بالياء وليس بالألف. وبالرغم من قواعد اللغة فقد أعطيت نفسي حرية خلق اسمي ضمن مفهوم «التغيير» أو «الآخر»، أي النافذة المفتوحة على شيء آخر مجهول وخارج حدود ما يسمى بالقوانين المتعلقة بما يجب وما لا يجب، وهو مفهوم يتعدى ترجمتنا المعتادة للعالم، وكيف نقوم بالإسقاط، وكيف ترشدنا الحياة إلى الطريق بحرية لنتعدى ميولنا إلى أبعد من حاجتنا لنطمئن أنفسنا من خلال ما هو «معروف» أو «له اسم».

»كل شيء مناسب بالنسبة لي طالما أن الرسالة التي نحاول إيصالها من خلال صنع الأعمال الفنية هي رسالة هامة، وربما الأكثر أهمية بالنسبة لي هو ما يمكن أن تثيره تلك الأعمال الفنية في المشاهد، فاحتمال أن يمر بتجربة ما... أن يشعر بشيء ما.. هذا هو النجاح لأي عمل فني «إعطاء الفرصة للمشاهد أن يعيش شيئا ما، أو يلمس شيئا ما، أو ببساطة، يستكشف شيئا ما....»

أما عن ما يمثله الفن بالنسبة إليها فقد قالت رومى: الفن بالنسبة لي هو الاستجابة لوضع الإنسان، فهو التيار الداخلي الذي يمنعنا والتيار الخارجي الذي نسبح فيه جميعاً، وصعوبة أن نرتبط داخلياً ببعضنا البعض، وبالحقول العظيمة، والطبيعة والحيوانات والكون...الفن هو الوعي الإنساني الذي يدفعنا للخلق، خلق السلوكيات والتصرفات والأعمال الفنية والمنحوتات أو الصور.... تلك الصور المرتبطة وغير المرتبطة بمستوى آخر خارجي أو داخلي من الكون الذي نحن على تماس معه (الأحاسيس، الرؤى، الإنفعالات الخ...)، وهكذا نندفع لإعطاء معنى لهذا العالم من خلال الخلق الذي يتعدى أصولنا المرجعية.

أما جبار مجبل فقد وصف نفسه بالإنسان المنحاز، المبجل لعظمة العقل البشري. وقد عرف لنا الفن بالقول « الفن هو منشئ الحضارة ومسجل تاريخها.. هبة من الله تجعل الانفعال والتأثر لدى الانسان الفنان ينزف آسى وجمالاً واشباعاً ورضى .. لولاه لضربت رأسي بالحائط. كنت عندما أتوجه للرسم بشغف أو أحمل أغراضي للرسم في قلب الطبيعة أذهب وكأني على موعد مع امرأة. أما اللوحة الفنية فإنني أكرر دائماً القول: «لا على الفنان أن يشرح، ولا على المتلقي أن يفهم أو يتقبل.فالحرية مطلقة للطرفين». وعن رأيه في الصحراء أضاف قائلا: « سعة مطلقة.. أرى الأفق من كل الجهات.. قد أنشرح أولاً ثم، يبدأ الشعور بالوحدة والفراغ - استذكر العرب، حيث صنعوا تلك الحضارة من سخونة تلك الرمال».

أما الفنان الأردني بدر محاسنة فقد قال في تعريفه للفن: «أرى أن الفعل الانساني أصبح محصورا في دوائر جاهزة ليس علينا الا الدخول فيها ومعرفة قوانينها لنتفاعل معها، وبالتالي تفقد ديناميكيتها وتصبح مملة الى درجة الغثيان. أما الفن فهو الفعل الذي يعيش خارج الدّوائر ويسير في خط مستقيم باتّجاه المجهول. لذلك أجد فيه القيمة التي ألجأ اليها عندما تفقد الأشياء قيمتها».

أما الفنانة الأردنية سعدي فقد عرفت الفن قائلة: الفن برأيي هو التفاعل وحصيلته في ذات الوقت. لا أفرق بين المنتج والتوترات التي أوجدته أو الوظائف والعمليات التي يحفزها. هو جواب يُولِد الأسئلة. هو قوة حيوية وشافية وكذلك مرآة للعصور الإنسانية. يتطلب تواشج المعرفة والحواس، والتحرر من كليهما.

هكذا يجمع فنانو خلوة وادي رم على أن المشروع كانت له دلالات عميقة. إنه رؤية الإنسان للكون، خارج المعايير الإجتماعية المألوفة. إنه التواصل مع الرمل العاقر في ظاهره، الخصب في جوهره. في وادي رم، يقول لك هؤلاء الفنانون، توحي لك الرمال بالعقم، لكن عقم الرمال عقم ظاهري يخفي في طياته خصبًا وفيرًا. ففي هذه الرمال القاحلة نجد زهورًا نادرة ونباتات لا تخطر لك على بال. وأكثر من ذلك نكتشف وجوهًا لم تلطخها الحضارة المزيفة. هنا أيضا خصوبة الناس المتجسدة في تعاونهم. ومن هذه الصحراء نبني قيمًا فطرية إنسانية حقيقية، خارج العولمة والعلاقات الإقتصادية، وخارج المرجعيات. إنها قيم أخرى، ومعاني جديدة.


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







أعداد سابقة | نسخة أجهزة كفية | اتصل بنا | RSS |
جوال الرياض | القسم التجاري | مركز المعلومات | الإعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية