النجاح في الحياة يشبه سباق المسافات الطويلة: يحتاج للمثابرة والتركيز والتمييز وعدم استنزاف الجهد بسرعة.. كذلك تربية الأولاد.. والحياة الزوجية السعيدة.. والمحافظة على الصحة أيضاً.. الأمور الهامة في حياتنا تشبه سباق المسافات الطويلة الى حدّ بعيد، لا ينفع في ذلك الحماسة السريعة التي تنطفئ بعد قليل من بذل الجهد.. لابد من توزيع الطاقة بذكاء.. وإدراك أن المسافة شاسعة..وأن التنظيم مطلوب.
٭٭٭
وقبل أكثر من ربع قرن حضرت سباقاً للمسافات الطويلة (5000 متر) وما إن أطلق الحكم صفارة البدء حتى انطلق أحد المتسابقين بسرعة خاطفة، وسبق زملاءه الكثيرين بمراحل، ومع الدقيقة الأولى كان قد سبقهم بمسافة شاسعة، وكنا نصفّق له بحرارة، وكنا نجهل أصول سباق المسافات الطويلة، وجزمنا أن هذا المتسابق المسرع، فائز لا محالة، وبفارق هائل، فلا مجال للمقارنة بينه وبين زملائه في السرعة، والمسافة التي سبقهم فيها شاسعة..
كان يعدو بسرعة عظيمة حتى استغربنا كيف اشترك معه هؤلاء البطيئون، ولكن!.. ولكن فجأة خرّ هذا الرجل المسرع على وجهه، وقذف الدم من فمه، والسباق لم يمض ثلثه، واسرع المسعفون له، واستمر المتسابقون الآخرون، وحين بقي على السباق ما يقارب خمسمائة متر، رأينا متسابقاً كان في الوسط، يسرع بقوة وعزيمة، ويسبق الجميع بخطوات ثابتة، واثقة، مسرعة وقوية، فيحرز البطولة وكنا نظنه أبعدهم عنها، ولم نكن نعده منهم، لأن الأربعة المتقدمين لم يكن هو منهم..
وعرفنا أن سباق المسافات الطويلة يحتاج لتوزيع الجهد، وضبط الطاقة، وقوة التحمل، وحسن التمرين، ومتانة الاستعداد.. عرفنا أن الجياد الأصيلة تسبق أخيراً..
٭٭٭
والحياة - في مجملها - سباق مسافات طويلة.. عمر كامل.. والوصول إلى قصب السبق،وتحقيق الهدف، يحتاج إلى حسن الإعداد، وتنظيم الوقت والجهد، والتركيز والتمييز، والمثابرة الدؤوب..
اننا قابلنا في حياتنا شباباً كان لديهم حماسة شديدة، واستعجال للأمور، وكان يظن من يسمعهم ويرى حماستهم الشديدة، أنهم سوف يصلون الى أهدافهم بسرعة عظيمة، ولكن الذي حدث في معظم الأحيان والحالات، أن أصحاب الحماسة الشديدة (وهي حماسة كلامية) والاستعجال الممرور، يخرون في أول الدرب خائرين كذلك المتسابق الذي بذل جهده كله وفوق جهده في أول السباق الطويل ثم خرّ مغشياً عليه (يزوع دماً أمامنا المسكين) لأنه لم يقدر طول المسافة، ولم يتدرب على تقسيم الطاقة، ولم يحسن الاستعداد، أو يحط علماً بطبيعة المنافسة.. والمسافة.
٭٭٭
إن هناك كثيرين لديهم حماسة فائرة ملفوفة في ورق الكلام،وحماستهم البالغة تجعلهم يتخيلون بأنهم سوف يصلون إلى أهدافهم بسرعة، وبسهولة، وينسون أن الكلام سهل، ولكن العمل الصعب، فلا يقدرون ما في الطريق من صعوبات، ومشاق، وما فيه من منافسين سابقين، أخبر منهم، أقدم وأقدر، وتجعلهم الحماسة وحداثة السن يغيصون قبل أن يقيسوا، ويقدموا لأنفسهم.. وللعمل الذي اختاره إذا كان تجارياً.. دراسة جدوى سريعة.. مختصرة.. على الهوى.. لا على الواقع.. على هواهم.. هم.. وحسب اعتقادهم الحماسي غيرالمبني على حقائق وأرقام.. فتجد أن دراسة الجدوى - وهي في الواقع خيال لا دراسة - مجدية جداً، ذات أرباح كبيرة.. سريعة.. هنا تزيد الحماسة.. وتندفع السرعة.. فإذا دخلوا في الواقع الحقيقي.. في سباق المسافات الطويلة.. الفعلي.. انقطعوا في بدايات الطريق.. لأن الغرق بين الخيال.. والواقع.. بعيد.. والفرق بين الكلام.. والعمل.. شديد - وكلنا كنا كذلك في البدايات - وهؤلاء منهم من يستفيد من تجربته الأولي، فيعود إلى الواقع الذي يحتاج عملاً مدروساً مثابراً صبوراً، لا إلى حماسة سريعة وتنفيذ مرتجل، فيتعلم من فشله الأول، ويفهم الوضع، ويعيد دراسة الأمور، وترتيب الأوراق، فيكون فشله الأول خيراً له، وأفضل معلم علمه، فإنه لا يكاد يوجد أحد في هذه الدنيا لم يفشل، ولكن الذي يستفيد من دروس فشله، ويغير سلوكه ومساره، يحوله إلى نجاح، فيكون ذلك الفشل هو الأساس الذي بنى عليه دعائم النجاح..
أما الفشل الحقيقي فهو أن يصدم الإنسان فيركن إلى الخمول، ويقبل بأقل الأمور، ويفقد ثقته في نفسه..
ومن الفشل أن يلقي أسباب فشله الأول على الناس.. أو الحظ.. أو الظروف.. فلا يكون صريحاً مع نفسه، صادقاً في أعماقه، بل يخادع نفسه ويمنحها البراءة، ويضع التهمة على الآخرين، ويعود لارتجاله الفج، وحماسته الكلامية، فيظل يتنقل من عمل إلى عمل بدون نجاح يذكر، فهو لا يتقدم إلى الأمام، بل يدور حول نفسه، ودائماً يلقي اللوم على غيره، وقد يلقي اللوم على أبيه.. وهذا أسوأ..
إن الحياة أكبر معلم.. وشهادتها النهائية لا ينالها أحد.. دروسها مستمرة.. متجددة.. وبدون عدد.. والعمر محدود.. والسنين معدودة.. العمر قصير، والمطامح طويلة، وصاحب التمييز هو الذي لا يُصْدَم من فشل أصابه، خاصة في أول شبابه، فإن الشباب يعني قلة الخبرة، أو انعدامها، والاعتقاد بأن الأمور سهلة، والطرق معبدة وربما مفروشة بالفل والورد والياسمين، مع أن الحقيقة غير ذلك، فإن الأمور صعبة، وحلاوتها في صعوبتها، والطرق شاقة وجمالها في مشقتها، وليست مفروشة بالفل والورد والياسمين، بل ملغومة بالعقارب والثعابين من المنافسين غير الشرفاء.. وهم كثيرون في الحياة.. ولكنهم عادة يتهاوون بسرعة أمام الشاب المخلص الجاد المثابر، أما الذي يتقن الشكوى ولا يتقن المثابرة فإنه يتهاوى أمام المنافسة الشريفة قبل المنافسة غير الشريفة..
إن الشباب هم بهجة الحياة، وعماد الوطن، وفيهم الخير الكثير بفضل الله، كل ما نريد قوله لشبابنا هو أن يدرسوا الأمور التي ينوون الإقدام عليها، ويستشيروا أهل الخبرة والثقة في تلك الأمور، بحيث يقدمون على بصيرة، مصطحبين عزم الشباب ورأي الشيوخ، مصرين على تحقيق أهدافهم، مثابرين على أعمالهم، معتبرين أي عثرة تزيدهم احتمالاً وقوة، وأي فشل يزيدهم علماً وخبرة، فإن الحياة كفاح، وإن أجمل ما فيها كفاح الرجل نحو السعادة والنجاح، كفاحه وهو يبتسم، كفاحه وهو محصن بالقيم..
٭٭٭
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ المنبتَّ لا أرضاً قطع، ولا ظهراً أبقى» وهذا من جوامع الكلم..
والمنبت هو المنقطع في سفره، في وحشة الصحراء، وذلك بسبب أنه أسرع فوق طاقته، وفوق طاقة مطيته، فتهلك المطية في منتصف الطريق، ويهلك معها أو يكاد إلا أن يشاء الله..
والذي يستعجل الأمور ويريد أن تتم قبل أوانها، كالمنبت لا يصل إلى هدف ولا يوفر طاقة.. وكذلك المتطرف المغالي في الأمور - حتى في الدين - فإنه منبت.. يهلك.. ويهلك راحلته.. خير الأمور الاعتدال...
٭٭٭
ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (خير أعمالكم أدومهم وإن قلّ) وهذا ينطبق على شؤون الدنيا والدين.. فإن الذي يصاب بالحماس فترة فيعمل بعنف ثم يخمد كثيراً لا ينجز شيئاً.. ولا يكاد يكمل عملاً.. فإكمال الأعمال.. والوصول إلى الأهداف.. كل ذلك يحتاج إلى المثابرة.. إلى العمل الدائم المنظم.. ولو لم يكن شاقاً.. بل يفضل العمل المنظم مع الراحة الكافية على العمل الشاق، لأن الراحة بعد العمل.. عمل..
إحفر في مكان واحد
إن الإنسان في بداية طريقه قد لا يعرف نفسه، ولا يعرف ما الذي يصلح له، وما الذي ينجح فيه.. وينفع.. فيتقلب في عدة أعمال - أو مشاريع.. كأنما هو يُجرِّب.. وهذا عادي وسائد إذا استفاد الإنسان من تقلبه وتجاربه في وقت كاف، فعرف من خلال تلك التجارب ما الذي يناسبه ويصلح له وينجح هو فيه، وركز عليه بمثابرة وصبر.. فإنه هنا قد سار على الدرب الصحيح.. الجادة.. والمثل يقول (الجادة ولو طالت) لأنها توصلك إلى هدفك.. أما الحيرة بين مفترقات الطرق والظن بأن هذا المفترق الجانبي يوصل للهدف بشكل أسرع.. فهذا كثيراً ما يجعل صاحبه يضيع.. يتوه بين الطرق.. بعكس الذي يسير في الطريق الصحيح ولو كان طويلاً، فإنه سوف يصل..
والمثل يقول (لكي تصل إلى الماء احفر في مكان واحد) وهذا هو الصحيح.. وعكسه من يحفر هنا قليلاً.. وهناك قليلاً.. وهناك بين بين.. فلا يصل إلى الماء.. ولا يوفر الجهد.. ولا يستفيد من تعبه..
٭٭٭
سباق المسافات الطويلة يقتضي أن يعرف الإنسان نفسه، وما الذي يناسبه ويسهل عليه منافسة الآخرين فيه، لميزة ذاتية، فيصر على السير في ذلك الدرب، ويتعلم وهو يسير، ويصطحب معه المثابرة والصبر وتنظيم العمل والجهد لكي يصل إلى أهدافه موفور الصحة راضي الضمير سليم العقل والوجدان.