سأروي لكم هذه القصة لأنها تحمل في طياتها أكثر من دلالة: شاب سعودي حاصل على البكالوريوس في اللغة الفرنسية بتقدير ممتاز. حاول جاهداً مثل ألوف مؤلفة غيره أن يجد وظيفة، لكن دون فائدة. فما كان منه إلا أن غيَّر خارطة خطة البحث عن العمل تغييراً جذرياً، فقدّم أوراقه الى سفارة المملكة في باريس وفعلاً حصل على وظيفة ولكن على بند «المتعاقدين» المشؤوم محلياً. كان الشاب يأمل أن يشمله القرار الملكي بترسيم الوظائف المؤقتة. وحينما أعلنت وزارة الخارجية المسابقة على 30 وظيفة تكون الأحقية فيها للعاملين في السفارات، عاد الشاب على حسابه الخاص الى المملكة، وقدّم لامتحانات هذه الوظائف وحصل على تقدير ممتاز في الشفوي والتحريري والمقابلة الشخصية، وكانت لديه تزكية من أعلى المسؤولين في السفارة والقنصلية لكونه متفوقا في عمله تفوقاً يشهد به الجميع.
الذي حدث ان الثلاثين وظيفة ذهبت لمتقدمين من خارج الوزارة، على أساس أن المتعاقدين داخل الوزارة سيشملهم الأمر الملكي وسيتم ترسيمهم. لكن الترسيم لم يتم، كما هو حاصل في عديد من القطاعات الحكومية التي لا يزال المتعاقدون والمؤقتون فيها يعانون الأمرين من ضنك العيش وانعدام الحوافز والعلاوات والاجازات ومن عدم احتساب الخبرة.
هذا الشاب الذي ترك بلده وأهله وأحبابه، ليعمل في بلاد الغربة الباهظة التكاليف براتب مقطوع وزهيد، ما ذنبه؟! ما ذنب أهله الذين ظلوا طوال العشرين سنة يصرفون ويعلّمون، ليستمروا يصرفوا عليه وهو موظف في الغربة؟!!
اننا حين نجيب على هذه الأسئلة، سنكتشف دلالات هذه القصة. ففي الوقت الذي نطبل ونزمر فيه لبرامج توظيف الشباب، نجد شبابنا يلجأون الى الخارج بحثاً عن الرزق الحلال، ليتورطوا في مآسٍ أكثر من مآسي الذين فضلوا بطالة بلادهم. وفي كلتا الحالتين نحن أمام مشهد غرائبي يكون فيه ولي الأمر حريصا على حقوق ما يسمى ب «الموظفين المتعاقدين او المؤقتين»، لكن أحداً لا يحوّل هذا الحرص الى واقع. والغريب أن هذا الأحد لا يحاسبه أحد!.