تشهد حالياً مراكز الكشف الطبي قبل الزواج في عدد من مستشفيات المملكة اقبالاً كبيراً من الشباب والفتيات المقبلين على الزواج خلال إجازة الصيف.
وكانت تجربة الكشف الطبي للمتزوجين شهدت قبولاً من أفراد المجتمع ونجاحاً مميزاً خلال السنوات الثلاث الماضية التي بدأ فيها البرنامج، حيث أسهمت هذه الكشوفات في تعريف الزوجين بمدى سلامتهما من الأمراض الوراثية، ومدى مطابقتها للزواج دون فرض النتائج عليهما.
«الرياض» قامت بجولة ميدانية على مركز الكشف الطبي «المختبر» بمستشفى الرياض المركزي للاطلاع على الجهود القائمة في هذا المجال، ومدى الاستعدادات لموسم الزوجات.
مسؤولية مشتركة
في البداية تحدث الأستاذ خالد بن أحمد عبدالرحمن مدير المختبر المركزي وبنك الدم بالرياض، وقال: ان تجهيز المختبرات وتأهيلها لبرنامج الكشف الطبي قبل الزواج، من خلال توفير الأجهزة وإيجاد الكوادر المدربة في جميع مناطق المملكة ساهم بشكل كبير في إجراء الفحوص المخبرية عن الأمراض الوراثية قبل الزواج، مشيراً إلى أن قرار مجلس الوزراء الذي يوصي الطرفين بالخضوع للفحص قبل الزواج ولكن دون إلزامهما بتطبيقه حتى وإن كانا يحملان علامات المرض حيث تترك حرية اتخاذ قرار الزواج للطرفين.
وأضاف: كان إجراء الفحص الطبي قبل الزواج في السابق لمن يرغب في ذلك من السعوديين، أما الآن فأصبح إلزامياً بسبب عملية الحرج الاجتماعي الذي يواجهه البعض من أفراد المجتمع السعودي عندما يتقدمون لطلب الزواج، ويطلبون من الطرف الآخر إجراء الفحص فيواجهون دائماً بالرفض وعدم التفهم للأمر وترجع ذلك إلى عدم الوعي بأهمية تطبيق القرار والتعايش مع فكرة الوقاية وحماية الأولاد من المخاطر الاجتماعية والنفسية، علماً بأن جميع الوثائق والمعلومات يتم حفظها وتداولها بسرية تامة، كما تقوم وزارة الصحة أيضاً في التنسيق مع وزارة العدل من أجل قيام مأذوني الأنكحة لإيضاح فوائد الفحص الطبي قبل الزواج ولمعرفة أعداد المتقدمين للزواج.
وأشار إلى أن الاحصائيات التي نملكها دليل واضح على مدى وعي واقبال الشباب السعودي على الكشف الطبي، حيث بلغ عدد العينات المستلمة للفحص في شهر صفر من هذا العام ما يقارب 4433 عينة في مدينة الرياض فقط، كما أن نسبة العينات الطبيعية منها 94,9٪ وعدد الحالات الإيجابية للمنجلية والثلاسيميا 5٪.
آلية الكشف الطبي
وعن آلية الكشف الطبي قبل الزواج تحدث الدكتور نايل الجعفري استشاري دمويات في مستشفى الرياض المركزي وقال: هذه الآلية تتم بإجراء الفحص للشريكين المقدمين على الزواج، وذلك بتحليل عينة الدم لمعرفة وجود الإصابة أو الحمل لبعض الأمراض الوراثية، وأهم مرضين هما: مرض فقر الدم المنجلي «الأنيميا المنجلية» ومرض فقر دم البحر المتوسط «الثلاسيما»، ويمكن التوسع مستقبلاً بإضافة أمراض وراثية أو معدية أخرى إن شاء الله وسبب بحثنا في هدين المرضين إذ أنهما تعتبران من أهم وأكثر الأمراض انتشاراً بين العائلات في المملكة، وفي بعض المناطق غالباً في الشرقية والجنوبية الغربية، والاشكال في الموضوع ان هذه الأمراض تتكون من طبيعة العلاقات الاجتماعية في المملكة مثل الزواج من نفس القبيلة أو العائلة الواحدة.
وأضاف أن هناك عدم دقة من ناحية المراجعين لأنه يأتون إلى المختبر مباشرة ولابد أن يكون هناك طبيب أو اخصائي يحضر إليه الزوجين ويسألونه عن طريق الكشف وينسق معهم في اجراء الكشوف، والطبيب قادر على شرح الوضع للطرفين إذا كان هناك أي نتائج سلبية فيوعيهم بخطورة الأمر ويعطيهم بعض المشورات حول إمكانية نقل الأمراض الوراثية التي يتم الفحص عنها إلى الأبناء وإعطاء الخيارات والبدائل أمام الشريكين من أجل بناء أسرة سليمة وصحية مستقبلاً.
أهداف الفحص
وأشار الدكتور نايل إلى أن الأهداف المرجوة من تطبيق الفحص الطبي قبل الزواج تتلخص في الحد من انتشار الأمراض الوراثية وإيجاد جيل جديد خال من الأمراض الوراثية - بإذن الله -، حيث أثبتت التجارب في بعض الدول مثل قبرص - بعد تطبيق قرار مشابه انه لم يولد لديهم خلال العشرين عاماً الماضية أي طفل مصاب بمرض الأنيميا المنجلية الحادة، وكذلك التقليل من الأعباء المالية الناتجة عن علاج المصابين بالأمراض الوراثية، فعلى سبيل المثال فإن متابعة حال مريض تكسر الدم الوراثي تكلف مائة ألف ريال سنوياً، وعملية زرع نخاع العظام لهذا المريض تكلف خمسمائة ألف ريال، ولا ننسى أيضاً المساعدة في تقليل الضغط على المستشفيات والازدحام على أسرة المستشفيات، وكذلك تقليل الضغط على بنوك الدم، فالمصاب بأحد الأمراض الوراثية يمكن أن يتزوج وينجب أطفالاً أصحاء شريطة اختيار الزوج المناسب الذي لا يحمل المرض نفسه، أما لو تزوج بطريقة عشوائية دون فحص فقد يصادف ان الطرف الآخر حامل للمرض نفسه ومن ثم فإن من المحتمل أن ينجب أطفالاً مصابين بالمرض.
الفحوصات المستقبلية
وفي سؤاله عن الفحوصات المستقبلية التي سوف تجرى للعروسين قال الدكتور نايل: هناك العديد من الفحوصات التي سوف تضاف إلى الكشف الطبي قبل الزواج - وبتوفر الأجهزة المساعدة على تحليلها واخراج النتائج الخاصة بها - منها التعرف على كمية الأجسام المضادة للحصبة الألمانية مع إعطاء التطعيم قبل الحمل في حالة عدم وجود مناعة والتهاب الكبد بالفيروس «ب» ومرض نقص المناعة المكتسبة «الإيدز» في بعض الحالات وبإقرار من طالب الفحص وبعض الأمراض الجنسية مثل الزهري والسيلان في حالات مختارة وكذلك فحص خلايا عنق الرحم لمن سبق لهن الزواج أو المتزوجات وفحص الثدي مع عمل أشعة لحالات مختارة وفحص اختياري لمرض السل وغيرها من الفحوصات المستقبلية.
الزواج صراحة وثقة
وعن السرية في الكشف إذا طلبها أحد الطرفين قال: أولاً يمثل اخبار الزوجين تحدياً كبيراً للطبيب، ثانياً: ان الهدف من إجراء الفحوصات والحصول على الاستشارة هو تجنب أخطار أو تبعات قد تحدث للجنين أو تؤثر في قدرة أحد الزوجين على الإنجاب، وحيث ان الزواج يجب أن يبنى على شيء من الصراحة
والثقة من الطرفين وأن بعض التحاليل تجرى بموافقة وإقرار مسبق لذلك أرى أنه من الواجب شرح الأمر للطرفين مجتمعين، أما إذا أراد كل طرف منهما أن يحضر على حدة ورغب في أن يحتفظ بنتائج تحاليله بنفسه وعدم اطلاع الطرف الآخر عليها فلا أعتقد أنني يجب إفشاء أسرار، وذلك لا يمنع أن أعلمه بتبعات تلك الفحوصات، فتوعية المجتمع ولا سيما من هو مقبل على الزواج بزوايا الفحص الطبي السابق للزواج سترفع الحرج لدى البعض في طلب الفحص قبل الزواج أو السرية في إجرائه، فنتجنب بذلك الكثير من المشاكل الاجتماعية والنفسية للأسر التي يعاني أطفالها من أمراض وراثية، ويتجنب الزوجان المشاكل الزوجية عندما يعلمان بأن كلاهما قد نقل مرضاً وراثياً إلى أطفالهم والتسبب في إصابة بمرض خطير، فيجب علينا كأطباء أن نحيط الطرفين علماً بخطورة الأمراض الوراثية واحتمالات انتقالها للأطفال وفرص التشخيص المبكر لها والعلاج إذا وجدت مع طرح الخيارات المتعددة والنصيحة الطبية بناء على المعلومات الموجودة بين أيدينا، ثم عليهما أن يقررا استمرارهما في الزواج مع ما يحمله ذلك من أخطار على صحة أطفالهما أو أن يجد كل منهما طريقة مع شريك آخر قد لا يحمل المرض نفسه.
(فحوصات مخبرية)
وفي ذات الصدد تحدث الدكتور حسان حسن الحراكي أخصائي دمويات بمستشفى الرياض المركزي، وقال: من المعلوم عندنا نوعين من الفحص الأول، هو فحص زواج طرف سعودي، والطرف الثاني أجنبي وهو عدد قليل، ولكن إجراءاته أكثر من النوع الآخر الذي يكون فيه الطرفان جميعهما من الجنسية السعودية فيشمل الفحص الأمراض الوراثية الأكثر انتشاراً في المملكة، وقد بدأنا في الكشف عن أهمها، والفحوصات المخبرية المطلوب إجراؤها للطرفين المقبلين على الزواج هي: صورة كاملة لخلايا الدم (Complete Blood Count) والفحص الكشفي عن مرض فقر الدم المنجلي (الأنيميا المنجلية) Test Cell Sickle). ورحلان الهيموجلوبين الكهربائي (Hemoglobin Electrophoresis) لكشف اعتلالات الهيموجلوبين مثل الثلاسيميا وفرق الدم المنجلي وأمراض صبغة الدم الأخرى.
(إجراء إداري)
وأضاف تؤكد معظم الدراسات العلمية عن الأمراض الوراثية الشائعة أن زواج القربى لا يزال السبب الرئيسي لكثير من الأمراض عند الأطفال، ولا سيما في المملكة التي يسود فيها هذا النوع من الزواج، ولا نستطيع منع هذا النوع من الزواج، ولا شك أن جيل الشباب المقبل على الزواج صار أكثر حماسة لمثل هذه الفحوصات، ولا سيما الإناث منهم، لكن في المقابل ثمة خوف من أن تفقد هذه الوسيلة غايتها إذا ما تحوّلت إلى إجراء رداري بحت بعيد عن الجانب التوعوي لأخطار الأمراض الوراثية، ونوصي بضرورة الكشف الطبي قبل الزواج خاصة للفتاة، تفادياً لنقل أمراض معدية إلى طفالها أثناء فترة الحمل والولادة مثل أمراض: الحصبة الألمانية الهربس سمبلكس، الزهري، السيلان، وغيرها من الأمراض المعدية التي يمكن منعها أو تجنبها. والبحث عن إمكانية التعرف على العوامل المسببة للأمراض التي تصيب الأطفال أثناء فترة الحمل، ولكي نوضح طرق الوقاية منها وعلاجها، نظراً لما تمثله الأمراض التي يصاب بها الجنين أثناء الحمل والولادة من ارتفاع نسبة الوفيات للأطفال حدثي الولادة في المملكة.
(دواعي الفحص)
وفي سؤاله عن دواعي الفحوصات والاستشارات قال الدكتور حسان: إجراء الفحص مطلب أساسي نتعرف من خلاله على الكثير من الأمور منها على سبيل المثال تقييم التاريخ العائلي المستقبلي للزوجين من وجود بعض الأمراض أو التشوهات الخَلقية والوراثية التي قد تنتقل إلى أطفالهم مثل فقر الدم المنجلي، والتلاسيميا، وضمور العضلات، والهيموفيليا، وكذلك بعض تشوهات القلق والأنبوب العصبي والشفة الأرنبية والسكري والصرع. مع العلم بأن أمراض فقر الدم المنجلي والتلاسيميا قد تورث للجنين في صورتها الشديدة إذا كان كلا الزوجين مصاباً بالمرض نفسه أو حاملاً له. وكذلك بعض الأمراض الطبية التي قد تعاني منها الأم مثل السكري، حيث يجب الوصول إلى معدل طبيعي للسكر في الدم قبل الحمل وإلا زادت نسبة حدوث تشوهات الجنين، كما أن بعض حالات مرض القلب يجب أن تكون مستقرة تماماً قبل حدوث الحمل، وفي بعضها قد لا ننصح بالحمل على الإطلاق حيث يهدد حياة الأم.
وأضاف: هناك أمراض أخرى مثل زيادة إفراز الغدة الدرقية أو الصرع أو مع استعمال أدوية ضد تخثر الدم فيجب الوصول إلى نوعية العلاج الملائم للحمل حيث إن بعض هذه الأدوية تلحق ضرراً شديداً بالجنين، ومن المهم التأكد من عامل روسوس (فصائل الدم السالبة) عند الزوجة والتي قد تحتاج إلى علاج ومتابعة معينة أثناء الحمل وبعد الولادة. وبعض الأمراض التي قد يصاب بها جهاز التناسلي للزوجين، وكذلك إعطاء بعض النصائح التي تتعلق بالنظام الغذائي وخصوصاً لمن يمارسن الرياضة بشكل عنيف أو من يتبعن حمية غذائية شديدة أو الملتزمات بالغذاء النباتي، وفي كثير من الحالات يمكن اكتشاف المرض من تحاليل الزوجين مبكراً أثناء الحمل بالحصول على عينة من خلايا المشيمة أو السائل المحيط بالجنين أو باستخدام الموجبات فوق الصوتية، وفي أحيان أخرى لا يتم اكتشاف العيب إلا متأخراً.