اتسم الأدب العربي بوجود شخصيات تمثل حالة التطرف في ماحمد ومالم يحمد من الخصال. بدأ بشجاعة عنترة وكرم حاتم وحلم الأحنف ومروراً بطمع أشعب وهوى قيس بن الملوح. ولقيس في ليلى أبيات من أجمل وأسلس الأبيات في الغزل وكان قمة حب قيس أن مات مغرما بليلى يرجو وصالها ويناجي خيالها.
ولو أردنا فحص وَجْدِ قيس لتبين أن جزءاً منه حب وأجزاء لاتتعدى أن تكون شهوة ورغبة تملك قابلها حرمان عنيد.
أما من سأتحدث عنه اليوم فليس من ذاكرة التاريخ بل من أنفاس الحاضر. أحب ابنة عمه الجميلة وتزوج بها وكان ولعه بها يزداد يوما بعد يوم بشكل يندر حدوثه.
رزقا بالطفل الأول والثاني بينما لايزال حبهما يتعاظم حتى خاله الناس لن يستطيع نموا فوق نموه.
وكم كانوا مخطئين!
ففي غمرة السعادة حدث ما لم يكن في الحسبان.
فقد انقض على حبيبته مرض نادر الحدوث، أتلف جلدها وملأه بثورا وقروحا وندبات. وبدا ذلك الجلد الناعم يقسو ويتصلب ويتكسر. سنوات تفوق العشر والوحش يلتهمها يوما بعد يوم وسنة بعد سنة. شل حركتها وسرقها أناملها وقدميها. وبعد سنين خفت وطأته ولكنه ترك خلفه آثارا على كل شبر من جسدها، فإذا نعومتها تضمحل ليحل محلها ألياف وكلس تكسو كامل جسمها ماعدا الوجه الذي لازال يحتفظ ببريق لم تستطع سنوات المرض أن تنال منه. هذا المرض لم يقلل من مشاعرالزوج تجاه زوجته. لم يفكر أبو عبد الله يوما أن يستبدل الزوجة المعاقة بأخرى صحيحة كما هو منطق كثير من بني جنسه. بل تحول إلى حبيب مهيم وزوج مطيع وخادم ملازم وصديق مخلص. يعشق حديثها ويجتهد بإدخال البهجة عليها ويقف سدا منيعا في وجه كل ما يمكن أن يزيد همها. استدان مئات الآلاف وصرفها على علاجها بدون فائدة تذكر. تراكمت الديون إلى أن بلغت المليون ولكنه اجتهد أن لاتعلم زوجته عن الدَّين الذي يثقل كاهله شيئا فشيئاً، وكان إذا جلس مع زوجته وأبنائها تشع في وجهه سعادة المحب وينطفئ أسى التألم على ما أصاب حبيبته وسطوة الحاجة وانكسار الدين.
تمر الأيام تباعا ويزداد تعلقا بزوجته لدرجة يصعب تسطيرها.
إن مشاعر الحب تسيطر على أفكاره وأقواله وأفعاله.
لايسمح بأية فكرة قد تتعارض مع تنامي الحب، وتصيبه قشعريرة إذا ذكر اسم زوجته من دون أن يسبقه أو يذيله بقوله: «قلبي وحياتي».
قصته هي اقرب للخيال بتفاصيلها العجيبة، ولكنها الحقيقة في اختزال شديد لحب لم نصادفه في الحياة ولا في خيالات الأدباء.
كنت قد سئلت مراراً عن تعريف الحب مثلما سئل أناس قبلي وبعدي.
أعطيت تعريفا للحب ثم قلت: لعل أصدق تعريف للحب هو الذي لم نقله بعد.
ولا أرى أصدق تعريفا مما وقفت عليه قبل أيام من تفاصيل كثيرة لهذه القصة.
كم هو جميل في عالم تحكمه الماديات أن نجد من يعيش الحب في أنقى صوره. إنها صورة جعلتني أقول لأبي عبد الله:
تبختر بروض الحب من دون تابعٍ
فلا قيسُ قد دانى هواك ولا ليلى