تنهض جهة الشعر، كما قلنا في الجزء الاول من هذا المقال، إذن ليس باعتبارها موقعا إلكترونيا ثقافيا رائدا أو بيتا افتراضيا لخدمة الشعر وأهله في الأزمنة والأمكنة المتحققة والمفترضة وحسب، بل أيضا باعتبارها جهة مفتوحة على المستقبل، وقافلة بشرية في طريق التكنولوجيا ذهابا نحو مبدأ الاستقلال الفردي في التجربة الشعرية، كمشروع كتابة ومشروع نشر، ومشروع تلقي، وذهابا، في نفس الوقت، نحو مبدأ التعاون بين الكائنات الشعرية في سبيل العمل، دون تخطيط مسبق أحيانا ،على البدء برؤى ثقافية متكاملة، وغير متنافرة رغم اختلافها الضروري في الجغرافيات المختلفة والتواريخ المختلفة. وإذا كانت الشعرية العربية الراهنة تنهض، منفردة أحيانا، في فضاء من الموات الثقافي العربي العام قياسا لحيوات مجاورة في الزمان القديم والجديد، والمكان شرقا وغربا ففي جهة الشعر وجد الكثيرون الكثير من شروط استمرارية هذا النهوض اليتيم في سبات المشهد. فبالإضافة إلى سرعة التواصل ويقينية الاتصال بين قبائل الشعر العربي وأفراده الكثر والتي وفرتها الجهة، باعتبارها بوابة انترنتية مفتوحة للجميع، ودائما، وفرت الجهة أيضا، وبشفافية شعرية تليق بالراهن الشفيف، فرصة تجاور النصوص، باختلافاتها الذاهبة أبعد من مجرد الاختلافات الضرورية بين النصوص، فبدت نصوص الجهة وكأنها تتحاور في غرفة باتساع السماء، بعيدا عن ما يمكن أن يكون عوائق طبيعية قد تتكئ على المجايلة التاريخية أو الإقليمية الجغرافية، أو التعددية الأسلوبية واللغوية، حيث يبقى النص الشعري حاضرا في حوار تلك الغرفة السماوية معتمدا على ذاته الشعرية وحسب، بعيدا عن فكرة الشهرة وقريبا من فكرة النشر في المفهوم الورقي الكلاسيكي لكليهما، ويبقى الشاعر صوتا حرا وذاتا متحررة من فكرة الآخر مهما كان هذا الآخر.
ومن بين الهدايا الكثيرة التي تقدمها الجهة للجهويين ثقة ليس لها حدود، حتى الآن، فيستطيع كل من ينتج نصه الخاص أن يلج بوابة الجهة بسهولة أن يكتب اسمه في ذيل قصيدته مثلا، وهو يضمن لنصه وفقا لهذا الترتيب المفرط في ذاتيته، متلق منتظر، عبر نقرة أصبع على لوحة المفاتيح، بمزاجه الخاص ووقته الخاص، وربما بلغته الخاصة أيضا، فلا ننسى أن للجهة ألسنها الكثيرة والضاربة في راهن البشر وتعدديتهم اللغوية الحاضرة بشدة في متن الانترنت وعلى هامشه أيضا.
جهة الشعر... حلم قاسم الذي وزعه في جسوم شعرية كثيرة، فيما ظل يحسو قراح الشعر في أقداح العالم الافتراضي...
ومن يدري؟ لعله العالم الحقيقي الوحيد.
)*(الجزء الثاني من شهادة تنشر في موقع جهة الشعر بمناسبة الذكرى العاشرة لتأسيسها.