في عملية العنف الثقافي أو ثقافة العنف يكون هناك السبب المؤثر الذي أدى الى بروز هذا العنف، ليشار إلى عامل الاحتكاك والتفاعل مع الآخر المجاور والبعيد، بحيث يكون التأثر والتأثير.و في الواقع أن التأثُّر هو الذي يوسع الإطار الاستيعابي للوافد المعرفي المتأتي من حتمية المثاقفة في العصر الراهن، وعصر العولمة والتحول القاري الى القرية الصغيرة، حيث المعلومة كالبرق من أقصاها إلى أقصاها.
فما يحدث هناك وعن طريق التواتر الإعلامي المشبع يحصل وكأنه يحدث هنا، وإن لم يحدث هنا اليوم فإنه سيحدث غداً، لأن الإنسان بطبعه معايش للإنسان الآخر، يأخذ ويعطي في عملية تبادل مستمرة من شأنها بناء الحياة واكتشاف آفاق المستقبل حسب الإملاءات الذاتية النابعة من الحاجة الجمعية لذلك الفعل. يتأتى ذلك حسب حسابات لمجموعة من المصالح التي تتحول من فردية إلى أفق أوسع يستوعب الجميع ليكون حاجة ملحة ولابد منها كعامل مهم ورئيس لأبعاد الحياة العامة التي تحتوي كامل الأشياء وتأطيرها بسماتها.
٭ ثقافة العنف تأتي عندما تنبع من ذات حصرت نفسها في إطارها الذي ترى أنه هو الإطار الصحيح بكل النسب ولا سواه تكون شرارتها الأولى برفض كل شيء عدا ما تؤمن به أنه هو المحصلة لكل حياة. في اتكاء على أيديولوجية لا تقبل إلا نفسها ولا يكون الحوار إلا في دائرتها هي وماعدا ذلك فلا مكان له ولا يمكن قبوله. من منظار أن الآخر دائماً على خطأ. وتتوالد هذه المفاهيم عبر أقنية رسم لها أن تأخذ دون نقاش أو فحص.. وترفض الاعتراض. إلا ما كان مؤيداً، ومراكماً، ومؤكداً لما تذهب إليه.حيث تدور في دائرتها وتتعامل بمفهومها، ويقول بمنطوقها ناظرة إلى الآخر بارتياب وخوف والعمل على إقصائه وشجب كل شيء يذهب إليه لأنه في هذه الحالة (عدو مخرب متربص يريد أن ينقض ليقضي على كل القيم والأخلاق والمفاهيم) طبعاً ما يجسده الفهم الذي فصّل لكل شيء مقاساً لا يمكن أن يتغير، بل يعمل على أن يخضع الكل للمقاس المحدد من قبله هو. فيكون الرفض والشجب لما هو مغاير شكلاً ومضموناً. مع استخدام أي وسيلة مهما كانت دون إحساس بما قد ينتج عن ذلك من أضرار عامة أو خاصة أو ذاتية.
٭ تتغذى هذه المفاهيم على ما ينقل ثم يتبنى كحقائق لا تقبل النقاش.حتى ممن دخل فيها لأن النقاش قد يفضي إلى مساحات يمكن أن تفتح نافذة للتساؤل عن الأسباب والمسببات. وكيف تتحول إلى قراءة ثانية يمكن من خلاله معرفة النتائج التي تترتب على اقصاء الآخر مهما كان دون الأخذ في الاعتبار عملية التعايش المشترك بين الأمم والشعوب والمصالح المتبادلة التي من شأنها رفعة الإنسان أينما كان (علمياً وصحياً واجتماعياً واقتصادياً) وأن مناخات مختلفة يصلح هنا ما لا يصلح هناك ولكل أمة خاصيتها. دون أخذ كل شيء وتلقيه دون تمحيص وجعله من المسلمات التي لا تقبل النقاش أو تخطي الحواجز الوهمية.
٭ الواقع يحتم النظرة إلى الأشياء وفحصها قبل تبنيها أو الدخول فيها ووضع مصلحة العامة فوق كل اعتبار لأن الحياة لها أسسها وقوانينها الطبيعية والمكتسبة وللإنسان قيمته التي يجب أن تقدر ليخدم ويقدم لأخيه الإنسان ما يحتاج إليه. فهناك وهناك عطاء وهناك عجلة كبيرة تدور مع عقارب الساعة التي لا تتوقف ولا تدور إلى الوراء هكذا يقول لنا التاريخ.