بحث



الخميس 1 ربيع الأول 1427هـ - 30 مارس 2006م - العدد 13793

عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


الأنوثة عماد الخلق الفاضل

د. عبدالله محمد الغذامي
    قلت للدكتورة لمياء باعشن ان عنوان ورقتها عن حمزة شحاتة سيجرني إلى قلب أوراقي، فقالت ولكن المحزن أنني وأنت في جلسة واحدة وهذا سيفوت فرصة سماع تعليقك على البحث، فرردت عليها بأنني سأحتال للأمر بحيلة لا تكون في حسبان أحد.

كان ترتيب اللقاء ان أكون أنا أول المتحدثين ولمياء هي الثالثة في الترتيب، وحينما قدمني رئيس الجلسة طلبت الاذن منه ومن المشاركين ومن الحضور بأن تتقدمني الدكتورة لمياء معللاً ذلك بأن ما سيرد في ورقتها سيؤثر على ما يمكن ان أقوله أنا عن محاضرة شحاتة (الرجولة عماد الخلق الفاضل) ولقد وافق الجميع مشكورين وابتدأت الدكتورة في عرض ملخص عن موضوعها، وتحدثت بعدها.

لم أكن محتاجاً لسماع ملخص البحث وكان العنوان وحده كافياً لتفجير الفكرة، ولقد قلت للمياء قبل الجلسة ان عنوانها بحد ذاته أطروحة كاملة الدلالة ولا تحتاج إلى شرح، ذلك لأنني أعرف حمزة شحاتة، وأعرف ان افتراض وجود نسق انثوي عميق في خطابه الأدبي وفي سلوكه المعاشي هو أمر قابل للبرهنة العلمية، لكنني كنت محتاجاً إلى جرس تنبيه.

وبعد ان فرغت لمياء من عرض موضوعها جاء دوري وشرعت في حديث فهم منه بعض السامعين أنني تراجعت عن كلامي السابق في الخطيئة والتكفير والذي كنت قلت فيه ان شحاتة يعاني من صدمة عنيفة ضد المرأة، وبنيت على ذلك فكرة أساسية في الكتاب. وجاءت الأسئلة على ورقتي وقد بلغت ثمانية وستين سؤالاً من سبعة عشر متداخلاً ومتداخلة، مما صعب مهمة الرد عليهم جميعاً، وان كان الدكتور سعيد أبو عالي كريماً معي وأعطاني قرابة العشرين دقيقة بينما الحق المفترض هو خمس دقائق ولقد أجملت الرد في هذه الدقائق العشرين.

وأنا لا ضير عندي ان اتراجع عن رأي رأيته من قبل، حتى لو نسفت كتاب الخطيئة والتكفير من أساسه. والسر يكمن في تحولات النظرية النقدية إلى مقولة النقد الثقافي بدلاً من النقد الأدبي. ولا شك في ان النقد الأدبي يعزز فكرة الرجولة عند شحاتة ويتأسس عليها خاصة في جانبه التشريحي، غير ان النقد الثقافي وتحديداً في مقولة (النسق المضمر) سيكشف عن شيء آخر يسير جنباً إلى جنب مع النسق الواعي. والنص في مستواه الواعي هو نص فحولي صارم في فحوليته، وهذا ما كان مجال البحث في الخطيئة والتكفير.

لقد جاءت ورقة الدكتورة لمياء باعشن ومن بعدها ورقة الدكتورة فاطمة الياس، لتقولا لي إنني غفلت عن شيء ما كان لي ان اغفل عنه، وكانت لمياء تقول: الأنوثة عماد الخلق الفاضل، بينما فاطمة تتكلم عن الأمومة عند شحاتة.

ضربت الفكرة في رأسي واستدعيت كل ما أعرفه عن شحاتة ورأيت النسق المضر عنده منذ لحظة ان رأيت عنوان لمياء وتعزز مع فاطمة.

شحاتة بوصفه أما لبناته، وكان يصف نفسه بأنه مرب لخمس بنات ولم تنس فاطمة ان تذكر تفاصيل حياته اليومية مع بناته، خاصة مع المراحل الحرجة حينما تصل البنت إلى مراحل البلوغ وتفاجأ بالتغيرات العضوية التي لا تفهمها وليس في البيت أم تشرح وتعاون وكان الأب يقوم بهذا الدور رغم حراجة الموقف. إضافة إلى اعداد الطعام وترتيب حقائب المدارس وحل الواجبات واختيار الملابس وتبادل الأحاديث يومياً في بيئة نسائية وطفولية لا تفحيل فيها.

هنا تنكسر الفحولة وتحضر القيم الأنثوية فارضة نفسها على فحل ثقافي بالغ الفحولة، وهذه ليست تجربته الأولى مع التأنيث وشروط التعامل المؤنث، فهو ينتمي إلى عائلة شحاتة، وهذه - كما روت لي ابنته شيرين، رحمها الله - كانت عائلة يغلب على نسلها الاناث، وحينما جاءهم ذكر خافوا عليه لأنه كائن وحيد وغريب على العائلة ونصحتهم نساء الحي بأن يطوفوا به على الأبواب للرقية عليه لتحصينه من العين، وهذا ما يسمى بالشحت، وشحتوا الولد ولذا صار اسمه شحاتة، بعد ذلك الطواف وهو جد العائلة وظلت العائلة تلد الاناث حتى حينما جاء دور حمزة جاءه خمس بنات، وعشن معه بعد ان طلق زوجاته واحدة واحدة، وتفرد هو مع البنات. وهنا ينغرس شحاتة في بوتقة الأنوثة، ويمتثل هذا الدور سلوكياً وعقلياً حتى جاءت رسائله إلى ابنته شيرين ليكتمل هذا الدور نصوصياً، ويتكون النسق المؤنث بجوار الفحولي ويتلازم النسقان، وهذه قدرية أخرى يقع فيها شحاتة، ومن ذهب إلى تلمس التأنيث عنده فلا شك انه سيجد ذلك.

بالنسبة لي فإنني طلبت تقديم لمياء علي في تلك الليلة لأنني أؤمن أننا - نحن معشر الرجال - بحاجة إلى ان نسمع صوت المرأة الباحثة ولقد ثبت لي مراراً ان الاستماع إلى النساء يفتح لنا نوافذ ومنافذ لا تراها عيوننا الفحولية، ولا يمكن ان يقول رجل ان الانوثة عماد الخلق الفاضل خاصة إذا كنا بصدد الحديث عن محاضرة حمزة شحاتة (الرجولة عماد الخلق الفاضل) وعنوان الأنوثة وحده يكفي لتفجير الرؤية لكل من يعرف شحاتة وأدبه. ولم يكن بعجيب عندي ان تقول فاطمة الياس انها أعطت عنوان ورقتها (الأمومة عند شحاتة) دون تفكير ثم شرعت في التفكير في الأمر بعد ان أحست بالورطة ولكنها وجدت ضالتها مثلما وجدت هدايتنا لأمر نغفل عنه كرجال.

تستطيع المرأة ان تعلمنا الكثير ولن تفتح عيوننا على الكثير، وفي قصة أمل الخياط التميمي مع جابر عصفور عبرة أخرى لهذا الأمر، وهي قد سألت جابر لماذا لم يكتب عن السيرة الذاتية النسائية مع كل ما كتب عن السرديات، وهذا ما فاجأه ولم يجد له جواباً وهو يكتشف لأول مرة أنه لم يكتب عن سير النساء، لقد غم عليه وأغرقته الفحولية الثقافية حتى أيقظته امرأة باحثة على سؤال محرج له ولا يتفق مع وعيه الثقافي والإنساني.

في الثقافة تأتي عبارة بنات الأفكار، وفي البحث تأتي عبارة أمهات الأفكار، ونحن الرجال عشنا حياتنا العملية والثقافية تحت وطأة النسق الفحولي وتمر علينا الأنوثة مروراً سريعاً لا نقف عنده كثيراً، ومنذ شرعت في البحث في مجال المرأة واللغة وأنا اكتشف في كل مرة عالماً سحرياً فاتناً وعميقاً لدى النساء بدءاً من الحكايات وهي تمثل الخطاب الأزلي للمرأة، ولكننا اليوم نقف ثقافياً على باب جديد و باب البحث العلمي والأسئلة العلمية التي يمكن ان نتعلم منها الكثير على يدي النساء الباحثات، وكم أنا ممتن لجلسات ملتقى النص السادس (والوداعي..!!) في جدة، حيث جعلتني بعض أوراقه أراجع ما قلته من قبل عن شحاتة وازداد فهماً لنفسي ولشحاتة معاً.

تعليق واحد
تنويه: في حال وجود ملاحظة أو اعتراض على أي تعليق يرجى الضغط على (إبلاغ)

 


الأستاذ الفاضل عبدالله
آمل أن يتخذ منك الآخرون صفة كرم الخلق وصفاء
النفس.
أنت هنا تتراجع في ابراز عملي على استاذيتك
وبحثك الصادق والمخلص عن الحقيقه ولا غيرها
أكثر الله من أمثالك.


سالم الزهراني
ابلاغ
02:11 مساءً 2007/04/12


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







أعداد سابقة | نسخة أجهزة كفية | اتصل بنا | RSS |
جوال الرياض | القسم التجاري | الإعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2009
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية