جريدة الرياض اليومية

الاربعاء 17 ذي القعدة 1425هـ - 29 ديسمبر 2004 م - العدد 13337
[ الأولـــى | متابعات | شؤون دولية | محليات | لقاء | مقالات اليوم | طــب | ثقافة اليوم | الرأي | الرياض الاقتصادي | تقنية المعلومات | دنيا الرياضة | الكاريكاتير | محطات متحركة | الأخــيــرة | الصحفي الإلكتروني | ]
حروف و افكار
تركيا وأوروبا والحضارة

منح الصلح

لو لم يكن هناك زعيم تركي اسمه رجب طيب أردوغان لوجب على الدول الإسلامية والعربية منها بالذات أن تخترع بديلاً منه بصفاته وموقعه كزعيم لتركيا العريقة في إسلامها وفي علاقتها بالغرب الأوروبي معاً منذ ما قبل مصطفى كمال مؤسس الجمهورية التركية بفترة غير قصيرة.

في الوقت الذي كان فيه الزعيم الأوكراني فيكتور يوشنكو يعلن أنه سيتوجه مباشرة بعد إعلان فوزه بالرئاسة إلى تل أبيب حيث يخضع لجراحة تجميلية تخفي آثار التشوهات التي أصابت وجهه بعد تعرضه لما وصف بأنه محاولة اغتيال استخدمت فيها مادة الديوكسين السامة معززاً بكلامه وتصرفه مقولة صراع الحضارات موحياً بأن طرفي النزاع الأكثر تمثيلية هما الإسلام في جانب، كل الإسلام، وإسرائيل في جانب آخر، مبايعاً تل أبيب، بخبث، برمزية تمثيل الحضارة الغربية.

في هذا الوقت بالذات، جاءت هجمة الغرام التي يقوم بها الزعيم التركي باتجاه أوروبا عملية يتبارى فيها الطموح الشخصي للزعيم التركي بدور خارجي مرموق والحس التاريخي عنده بضرورة سياسة اليد المفتوحة مع أوروبا لا من تركيا فقط بل من الدول الإسلامية جميعاً وخاصة الدول العربية، التي تعاملها الولايات المتحدة الأميركية بجفوة واضحة منذ مجيء الرئيس الأميركي جورج بوش إلى الرئاسة الأولى حتى الآن.

منذ عملية 11 أيلول الإرهابية على برجي واشنطن الشهيرين والطروحات البوشية الأميركية تصر على المبالغة في أدلجة الجريمة النكراء والتوسع في تحميل حضارات وأديان وأوطان بكاملها مسؤولية القيام بالفعلة النكراء بما يضر لا شعوباً ومجتمعات كثيرة في العالم فقط بل بما يضر الولايات المتحدة أيضاً، إذ يظهرها أضعف مما هي في الحقيقة وأقل ثقة بنفسها مما تستحق، وربما وهذا أخطر ما في الأمر أن تكون اعتمدت بكل صراحة نظرية صراع الحضارات لا كفلسفة سياسية فقط قد تصح أو لا تصح وإنما كدليل عمل سياسي يومي وشمولي من شأنه أن يبعد عنها حتى أصدق أصدقائها وأكثرهم حسن ظن بها، وربما أحوجهم إليها أيضاً، إذ لم يسبق منذ هتلر وموسوليني ان نشأ في أي مكان في العالم مثل هذه الأحادية في النظرة عند دولة كبرى هيهات أن يجتمع لأحد غيرها ما اجتمع لها في دواعي الطمأنينة على الذات، بل على التفوق أيضاً.

إن نظرية صراع الحضارات، أحرى بأن تكون لخصومها وللدول التي لا تنصفها الولايات المتحدة، وما أكثرها، كلبنان مثلاً أحد أصغر بلدان العالم الذي دفع جزافاً سنوات طويلة من عمره ثمناً لظنه الحسن بالحضارة الغربية على أنها فعلاً حضارة إنسانية شاملة، وليست حضارية الأقوياء فقط.

قد يكون في صراع الحضارات جانب من الصحة ولكن كما يقول مفكر فرنسي ان الحقيقة نفسها إذا غاليت فيها وتعسفت في استنتاجاتك منها بل جررتها جراً إلى أبعد مما يجب فإنك تصل إلى مضحكات ومبكيات.

كلاهما أوروبا وتركيا لا ينكران أن يكون ثمة حالة تاريخية اسمها صراع الحضارات، كما أن يحمل أيضاً هذا الصراع أخطاراً على القوي والمتخلف معاً.. ولكن ما جمع بين الرئيس التركي والقارة الأوروبية التي زارها ليس هذا الخوف بقدر ما هو الشعور أن المعالجة الأميركية لظاهرة صراع الحضارات ليست هي المعالجة المطلوبة، أو ليست هي الكافية على الأقل.

لكي نبقى على قرب مع عقل الرئيس التركي ونفهم خلفيات زيارته إلى أوروبا علينا أن نتذكر مثلاً ميدانياً لا يمكن أن يكون غائباً عن هذا الرئيس، هو أنه في برلين وجوارها وحدها ما يزيد عن ستة ملايين تركي يعيشون جنباً إلى جنب مع الألمان هم ثروة اقتصادية واجتماعية وإنسانية لبلد المنشأ بنسبة ما هم جزء هام في المجتمع وحياة العمل الألمانية.

يكفي أن نقول مثلاً أن منصب السفير التركي في برلين كان من متوليه في زمن غير بعيد وحيد خلف اوغلو الشخصية التركية المعروفة في بلدة انطاكيا السورية قبل انضمام منطقة اللواء السورية إلى تركيا وهو صهر صبحي بركات رئيس المجلس النيابي السوري في عهد الانتداب الفرنسي.

وهذا المنصب يعتبره الأتراك أحد أهم ما يمكن أن يحصل عليه سفير تركي بل ان الألمان حكاماً ومجتمعاً يتعاملون معه كمرجعية اجتماعية هامة في العاصمة الألمانية والحياة الألمانية، وما أدراك ما هي المانيا وبرلين في عين القاصي والداني.

وهذا مجرد مثل عن تفاصيل الوقائع والحقائق التي كانت ماثلة أمام أردوغان عندما حرص على التوجه إلى أوروبا لما في ذلك من فوائد سياسية واقتصادية واجتماعية كثيرة ولما أصبح للأتراك الموجودين في المانيا من أهمية داخل تركيا في الاقتصاد والسياسة وفي كل شيء آخر.. بل ان الحس الانتخابي المعروف به أردوغان كزعيم شعبي منذ أن كان رئيساً لبلدية اسطنبول الآسيوية والأوروبية معاً كان من الطبيعي أن يذكره بأهمية أصوات أتراك الخارج في مصير ساسة الداخل.

هذا مع العلم ان تركيا شقان بالأصل: شق آسيوي وشق أوروبي وهذه الثنائية كانت دائماً بوصلة للساسة الأتراك، لمصطفى كمال مؤسس الجمهورية التركية بالذات وقائدها نحو العلمانية، بل لمن كان قبله أيضاً من زعماء تركيا الفتاة في عهد السلطنة قبل تحول تركيا إلى جمهورية.

وما دام صراع الحضارات مطروحاً فإن تداخل الحضارات يبقى مطروحاً أيضاً، ومن الطبيعي أن تكون ردة فعل رجب طيب أردوغان على المواضيع الكبرى المثارة بين تركيا والشرق الأوسط والولايات المتحدة الأميركية هو الذهاب إلى أوروبا للتداوي من أمراض وأخطار نظرية صراع الحضارات الحاكمة في الولايات المتحدة كجزء من عقل الرئيس الأميركي جورج بوش.

بقدر ما يستحيل أن تتحكم نظرية صراع الحضارات برأس تركي إسلامي معتدل كرجب أردوغان لم تستبد بعقله كله حتى علمانية مصطفى كمال بل خاض في وجهها منذ فترة انتخابات نيابية ناجحة فإن أوروبا من جهة ثانية غير متحمسة للطريقة الأميركية في قيادة العالم.. فالأب الأوروبي غير مستعد لإعطاء عقله كله للابن الأميركي الممارس بعنجهية زعامة العالم، والمتجاوز أباه في السلطان وكل سلطان سبقه.

من هنا نرى تركيا وأوروبا اللتين لم تستطيعا إعطاء قلبيهما الكاملين لسياسة الولايات المتحدة المشحونة بذكريات 11 أيلول والعدوان اللا إنساني على برجي واشنطن.

ولكن الدولتين اللتين لم تجذبهما سياسة مكافحة الإرهاب، وصراع الحضارات على الطريقة الأميركية وجدتا نفسهما أقرب الواحدة منهما للأخرى مما هما لواشنطن ورجلها الخارج متحمساً في انتخابات رئاسية ناجحة الشاعر بقدرته الكاملة على السيطرة وتوجيه القرار الدولي بالشكل الذي يشتهي.

لعبت إسلامية أردوغان غير المتطرفة والاستقلالية النسبية للسياسة الفرنسية والأوروبية بشكل أو بآخر دوراً كبيراً في التقارب بينهما باتجاه طريقة أخرى في محاربة صراع الحضارات غير طريقة بوش.

تشعر أوروبا ربما بحق أن العالم ككل بقاراته ودوله وشعوبه أقرب إلى طريقتها في تصور مستقبل العالم وكيفية الاتجاه نحو مما هي لطريقة الرئيس بوش.. وهي تلتقي في ذلك بحماسة مع الإسلام المعتدل الخائف من أن تقوي سياسة الولايات المتحدة التطرف بدلاً من أن تضعفه.

والواقع أن شعوب أوروبا وشعوب الشرق الأوسط الإسلامي تعيش خوفين لا خوفاً واحداً.. خوفاً من نمو التطرف الجريح الآن بعد فشل مشاريعه، وخوفاً من طريقة الولايات المتحدة في مواجهة موضوع صراع الحضارات.. ولعل غالبية شعوب العالم اليوم أميل للطريقة التركية الإسلامية وللطريقة الفرنسية في مواجهة صراع الحضارات منها لطريقة الرئيس بوش.. وليست هي المرة الأولى تخاف فيها الشعوب من جهتين اختلفتا وتشابهتا في الوقت نفسه.

ولعل أوروبا وتركيا الحالية هما الآن وغداً أخلص المخلصين في رغبة التخلص العاجل من صراع الحضارات.

مشاهدة النسخة كاملة
عرض التعليقات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية