جريدة الرياض اليومية

الاثنين 15 ذي القعدة 1425 هـ - 27 ديسمبر 2004 م - العدد 13335
[ الأولـــى | متابعات | شؤون دولية | محليات | لقاء | مقالات اليوم | طــب | ثقافة اليوم | الرأي | الرياض الاقتصادي | تقنية المعلومات | دنيا الرياضة | الكاريكاتير | محطات متحركة | الأخــيــرة | الصحفي الإلكتروني | ]
نار الإعلام وسخريته

في الإعلام العربي جوانب ساخرة تستدعي الابتسام عند استعراض تاريخه البائس الذي يمثل الشق الثاني لسلطة عقوبات الأمن السري.. ففي العواصم الثورية كانت هذه العقوبات تتولى تصفية الخصوم بأساليب بشعة مع أنه ليس هناك في التصفيات ما يمكن أن يوصف بالحسن أو المقبول.. كل عمليات الموت قهراً بالتذويب أو التعذيب ليست إلا وحشية قذرة ولأن الأمر لا يخص دولة واحدة ولا مجتمعاً واحداً وإنما مجموع تتمثل فيه الأكثرية فإنه يمكن الرجوع إلى مؤلفات صدرت في كل دولة فاح منها شواء الأجساد كلما تغير نظام بخصومه مع نظام لاحق..

بلاهة الإعلام عبر تربيته السيئة أنه لم يعط جرعات من عقل حتى ولو كانت محدودة كان يستهدف به شتم المجتمع المضاد حتى ولو كانت له رابطة أخوة دين ولغة.. لكنه خصم.. مع أن المجتمع (الخصم) قد لا تتاح له فرصة الاطلاع على المقالات النارية التي تكتب في عاصمة الدولة «و» ضد مجتمع الدولة «ش» والعكس..

وأذكر في هذا الصدد أننا كنا نقرأ الشتائم المتبادلة في مقاهي بيروت وليس في العواصم الموجهة لها وكانت بعض صحف بيروت تتآخى مع بعض ضد آخر.. المهم أنه في كل ذلك الضجيج والشتائم والقدح والاتهام بالعمالة أو الرجعية ويقابلها المروق من الدين.. إلخ لم يكن قد وضع للمواطن القارئ في دولة الإصدار أي اعتبار الأمر الذي جعل هذا المواطن كقارئ مع مرور الزمن لا يعتمد على مرئيات صحفية وتداول الناس تعبير «كلام جرايد» للتقليل من أهمية أي خبر غير موثوق.

يتساءل الإنسان الآن كيف يتساءلون.. أين الوعي..؟..

الوعي ليس حقناً طبية أو حبوب امتصاص، ولكنه في الأساس سلوكية إعلامية تعطي المواطن الحقائق حتى ولو كانت مرّة مع محافظتها على ثوابت الوحدة الوطنية.. ومع الأسف أن الدول التي مارست الإرهاب الإعلامي لم تثبت لها وحدة وطنية من الناحية الاجتماعية والاقتصادية.

من طرائف الإعلام العربي أنه حين كان الشقاق سائداً وعالياً بين القاهرة ودمشق وبغداد منذ ما يقارب الأربعين عاماً تواجد في الساحة منبر جديد انصاع معظم الناس له مصغين لما يقول عندما شرعت بغداد بإذاعة محاكمات المهداوي الطريفة والمريرة والمهزلة في آن واحد وكانت قاعة المحكمة تمتلئ بهتّافة من الشيوعيين تترصد محاكمة المستقلين والقوميين والبعثيين بالتصفيق والهتاف المعادي بشكل مسرحي سمج.. ولا أتصور أن واحداً سوف ينسى موقفاً شجاعاً لرجل نادر هو المرحوم توفيق السويدي وزير الداخلية في العهد الملكي عندما قال المهداوي في توجيه التهمة له بأنه كان يسجن الأحرار والمناضلين فرد عليه السويدي: هؤلاء الذين يصفقون لك ممن تراهم أحراراً ومناضلين لو أصبحت وزيراً للداخلية مرة أخرى لأعدتهم إلى السجن..

ومن طرائف الإعلام أيضاً أن الرئيس اللبناني إلياس سركيس عندما استقبل بعض الصحفيين اللبنانيين قال لهم أهلاً بكم في وطنكم الثاني حيث وقتها كان التسويق الإعلامي أغلى من التسويق التجاري.. ولأن على رئيس التحرير أو صاحب الامتياز أن يلعب بما يكسب به فقد كانت مجلة الحوادث تنشر مقالاً أسبوعياً ساخناً وساخطاً لنزار قباني ضد الرئيس السادات.. وكان نزار يستغرب من تصدير المجلة إلى القاهرة، لكنه اكتشف بعد وقت طويل أن نسخ القاهرة كان يحذف منها مقال نزار حيث المسألة مسألة تسويق..

من الطرائف كذلك أن المملكة كانت تعاني من حملات إعلامية عديدة في ذلك التاريخ ولم تكن لديها صحافة مقروءة في الخارج وليس هناك نشر إلكتروني فالإذاعة هي وسيلتها الوحيدة للدفاع والتراشق قدر الإمكان وقد رغبت أن توقف حملات إحدى الدول التي لم تكن لها صحافة مقروءة في الخارج أيضاً والإذاعة هي وسيلتها الإعلامية ولم يكن البث الإذاعي يتجاوز حدود أي من الدولتين فاتصل سفير المملكة بوزير خارجية الدولة التي يعمل بها طالباً منه تسوية الأمور وأنه لا يجوز تبادل الحملات عبر الإذاعة فسأله الوزير: هل مواطنوكم يسمعون إذاعتنا؟.. أجاب السفير: لا.. قال الوزير: نحن أيضاً لا نسمع إذاعتكم فماذا يزعجك في الأمر؟!

مشاهدة النسخة كاملة
عرض التعليقات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية